إبراهيم غرايبة

دراسات الحرب اللبنانية

تم نشره في الاثنين 7 أيار / مايو 2007. 03:00 صباحاً

بدأت الكتب الصادرة عن الحرب الإسرائيلية على لبنان بالصدور، وقد قرأت مؤخرا كتابين، أحدهما عربي أصدره مركز دراسات الوحدة العربية والآخر لمؤلفين إسرائيليين، وترجمه مركز الدراسات الفلسطينية، وسأتناول في هذه المساحة أولا كتاب مركز دراسات الوحدة، والذي شاركت فيه مجموعة من الباحثين العرب، وقد اهتموا جميعا بالأبعاد السياسية اللبنانية والعربية والدولية للحرب بخلاف الإسرائيليين الذين شغل معظمهم بتأثير الحرب على إسرائيل ومستقبلها والمجتمع الإسرائيلي.

يصعب فصل فهم تداعيات الحرب الإسرائيلية على لبنان عن الواقع اللبناني نفسه والواقع العربي والإقليمي، فهي ليست حربا معزولة عن هذا الواقع، ومن المعلوم أن لبنان مقسم طائفيا منذ عقود طويلة، وقد وقع عبء الحرب الأخيرة على طائفة من اللبنانيين، وربما كان الخلاف الداخلي والممتد إقليميا جزءا من هذه الحرب.

وتحولت نتائج الحرب وتداعياتها إلى صراع سياسي وإعلامي داخلي كبير حول سلاح المقاومة والعلاقة بين الأطراف السياسية المختلفة: المعارضة المتمثلة في الشيعة بعامة (حزب الله وأمل) وحلفاء من الأحزاب والتجمعات السياسية القائمة على السنة والموارنة، مدعومة من قبل رئيس الجمهورية إميل لحود. ويقابل هذا التجمع رئيس الحكومة ووراءه أكثرية برلمانية قائمة على السنة والموارنة والدروز، وتحول الجدل السياسي إلى جدل طائفي.

وتشير متابعة الساحتين الأميركية والإسرائيلية بوضوح إلى عدم رضا كل من الإدارة الأميركية والإسرائيلية عن النتائج الميدانية للحرب وبالتالي تغطية العجز بالطرق الدبلوماسية.

فقرار مجلس الأمن 1701 في جوهره هو نزع السلاح، لكن تدخل أميركا الفظ باستصدار قرار ثان من مجلس الأمن يفرض نزع سلاح حزب الله قسرا يعطي انطباعا بأن تطبيق القرار سيراوح بين منطق الأمن بالتوافق والتراضي الذي تتمناه فرنسا والأمين العام والاتحاد الأوروبي، وبين منطق الفرض القسري الذي تريده كل من أميركا وإسرائيل.

فرنسا تكلمت صراحة عن نزع السلاح عبر عملية لبنانية داخلية، لكن الولايات المتحدة تسعى لإحداث تغيرات جوهرية في عقيدة وتركيبة الجيش اللبناني الذي تراه متفاهما أكثر من اللازم مع المقاومة.

وكشفت الحرب أيضا على المستوى العربي والإقليمي عن مجموعة من المؤشرات والنتائج بالغة الأهمية، فقد تراجعت كثيرا القدرة الإسرائيلية على الردع، بل وانهارت صورتها الردعية التي كانت تتكئ عليها في سياساتها ومواقفها طوال العقود الماضية، وبما أن المغلوب لا الغالب هو الذي يحدد نهاية الحرب، فإن الحرب ماتزال قائمة رغم كل نتائجها التي تبدو لصالح إسرائيل.

لم تهزم إسرائيل وإن فشل عدوانها على لبنان، ولكن الحالة الجديدة التي ظهرت في إسرائيل تبدو جديرة بالدراسة والاهتمام وتؤشر على نتائج بالغة الأهمية في فهم الصراع العربي الإسرائيلي وتقدير مساراته، إذ تشكلت حالة ثقافية ودينية وسياسية في إسرائيل قائمة على الاختلاف الكبير، والنزعة الكبيرة الجديدة إلى فقدان التماسك والاستهلاك، وغياب صورة المقاتل الصهيوني العبري المستمدة من أسطورة جيل المؤسسين الذي يفلح الأرض ويحمل السلاح.

فالجيش الإسرائيلي يعتمد أساسا على التجنيد الإلزامي وجيش الاحتياط إضافة إلى القوى المهنية الثابتة. وعندما يدعو الجيش كتائب الاحتياط إلى الحرب فإنه يدعو عمليا الشعب إلى الخدمة بقواه الاجتماعية المتباينة وتياراته الفكرية.

وهذا يجعله عرضة لنقاش اجتماعي وسياسي، لأن الاحتياط من المجتمع، والمجتمع لم يعد معبأ كما كان، تعدديته وفجواته العميقة تنتقل مع الجنود إلى الجيش.

لقد كان الهدف الإسرائيلي العسكري والمحدد للحرب استعادة "هيبة الردع" وهي من أسس العقيدة الأمنية الإسرائيلية، وهذه لم تستعد ولم ترمم، بل تضررت في هذه الحرب، فلم تتضرر هيبة الردع الإسرائيلية فحسب، وإنما تضررت حتى الفكرة عن فاعلية سلاح الطيران ضد مقاومة تستند إلى دعم شعبي.

ibrahim.gharaibeh@alghad.jo

التعليق