بدل من ضائع وليس انتصاراً!

تم نشره في الأحد 6 أيار / مايو 2007. 03:00 صباحاً

ليس مهمّاً ما يحدث في اسرائيل. المهم ما يحدث في لبنان. ما الفارق بين أيهود أولمرت وبنيامين نتانياهو أو بين أولمرت وايهود باراك الذي يمكن أن يعود زعيماً لحزب العمل تمهيداً للعودة إلى موقع رئيس الوزراء في إسرائيل. كلّ ما في الأمر أنّ هناك قاسماً مشتركاً بين الثلاثة يتمثّل في الرغبة الواضحة في تجميد عملية السلام. لم يتحقق تقدّم يذكر على صعيد عملية السلام منذ اغتيال أسحق رابين في تشرين الثاني- نوفمبر من العام 1995. يمكن القول إن متطرفاً اسمه ييغال عمير، قاتل رابين الذي وقّع اتفاق أوسلو مع الشهيد ياسر عرفات في حديقة البيت الأبيض خريف العام  1993، أنهى عملية السلام.

كان هناك رجل استثنائي هو الملك الحسين، رحمه الله، عرف معنى أن تكون هناك عملية سلام ومعنى أن تتوقف هذه العملية وخطورة ذلك على الهوية العربية. وحده العاهل الأردني الراحل استوعب أهمية التطورات الإقليمية في مرحلة معينة وأن يكون هنالك استغلال عربي لهذه التطورات بغية توظيفها حيث يجب أن توظف، أي في اتجاه السلام. ولذلك، لم يفوّت فرصة التوصل إلى اتفاق سلام مع اسرائيل في تشرين الأوّل- أكتوبر من العام 1994، بعدما وقعّت منظمة التحرير الفلسطينية، الممثل الشرعي الوحيد لشعب الفلسطيني بموجب قرار من القمة العربية، اتفاق أوسلو مع إسرائيل وصار هنالك اعتراف متبادل بين الجانبين. لم يفوّت الملك الحسين تلك الفرصة من أجل المحافظة على حقوق الأردن، حقوقه في أرضه وفي مياهه كي لاّ تكون هناك تسويات أو حلول على حسابه. بكلام آخر قطع الملك الحسين الطريق على السياسيين الإسرائيليين الذين طالما نادوا بنظرية "الوطن البديل" للفلسطينيين، وهي نظرية لم يتخل عنها أرييل شارون يوماً وربما لا تزال تلازمه في غيبوبته!

هناك عقلان في العالم العربي. عقل ينادي بالسلام والعمل من أجل السلام، وعقل يعتقد أن عرقلة عملية السلام انجاز في حدّ ذاته. لا يدري هذا العقل الأخير أنّه يخدم المشروع الإسرائيلي الذي يراهن على الوقت من أجل تكريس الاحتلال وفرضه أمراً واقعاً بعد الوصول إلى مرحلة تتحول فيها القضية الفلسطينية إلى قضية ثانوية ليس إلاّ، بدل أن تكون القضية الأولى للعرب. هل من خطر يتهدد القضية الفلسطينية في أيامنا هذه أكثر من خطر تركيز الاهتمام العالمي على ما يحصل في العراق وعلى النتائج التي ترتّبت على الاحتلال الأميركي لهذا البلد العربي إلى ما قبل فترة قصيرة؟

لعلّ أفضل تعبير عن خطورة العقل العربي الذي يعمل على عرقلة السلام هو الخطاب السياسي الذي يتمسّك به "حزب الله" في لبنان وممارساته على الأرض. حرص الحزب بلسان قادته، على رأسهم الأمين العام السيّد حسن نصرالله، على الإشادة بتقرير "لجنة فينوغراد" الإسرائيلية التي كانت مكلفة بالتحقيق في أسباب الاخفاقات التي تعرضت لها حكومة أيهود اولمرت خلال حرب الصيف الماضي على لبنان. دانت اللجنة التي ترأسها القاضي ألياهو فينوغراد أولمرت ووزير الدفاع عمير بيريتس ورئيس الأركان، خلال فترة الحرب، الجنرال دان حالوتس. ذهبت اللجنة بعيداً في إدانتها للشخصيات الثلاث ولتصرف الحكومة والقيادة العسكرية ككل، وتحدثت عشرات المرات عن "الفشل" الإسرائيلي في المواجهة مع "حزب الله". والواقع، أن ليس في استطاعة أي مراقب يتمتع بحدّ أدنى من الموضوعية، التنكر لبطولات مقاتلي "حزب الله" وتضحياتهم. هذا شيء ونتائج الحرب شيء آخر بغض النظر عن الفشل الإسرائيلي والخسائر التي لحقت بأقوى جيش في المنطقة وفقدانه الكثير من هيبته ومن القدرة على الردع التي كان يفاخر بها.

صحيح أن خسائر كبيرة لحقت بالجيش الإسرائيلي. صحيح أن القيادتين السياسية والعسكرية كانتا مرتبكتين، لكنّ الصحيح أيضاً أن هزيمة كبيرة لحقت بلبنان. هزيمة بالأرقام كان أسطع دليل عليها أن بلداً كان يستقبل مليون سائح في الصيف صار بلداً فيه مليون نازح. دمّرت إسرائيل جزءاً من البنية التحتية اللبنانية وكان باستطاعتها تعطيل كلّ مرافق الحياة في البلد الصغير لولا الضغوط الدولية. هناك جسور تربط بين المناطق والقرى لا يزال العمل جاريا على عادة بنائها نتيجة ما ألحقه بها العدوان الإسرائيلي من دمار. والأهم من ذلك كله أن آلاف الشباب اللبنانيين هاجروا نتيجة حرب استغلتها اسرائيل للانتقام من لبنان واللبنانيين. هل هنالك أخطر من هجرة الأدمغة في بلد يحاول أن يعيد بناء نفسه ولا يزال في غرفة العناية الفائقة بعد سنوات طويلة من الحروب الداخلية ووصاية النظام السوري عليه؟

عندما ينادي "حزب الله" بالانتصار، يفصل نفسه عن لبنان واللبنانيين الذين يشعرون بمرارة الهزيمة. انهم يشعرون بأن "حزب الله" انتصر فعلاً لكن على لبنان، وذلك تعويضاً عن قدرته على الانتصار على اسرائيل. غداً يمكن أن يستقيل أيهود أولمرت تحت ضغط الشارع ونتائج تقرير "لجنة فينوغراد". من سيخلفه؟ سيخلفه أيهود أولمرت آخر أو شخص أكثر تطرفاً منه مثل بنيامين نتانياهو أو فاشل مثل أيهود باراك في احسن الأحوال.

ماذا يهمّ لبنان من كلّ هذه المعمعة الأسرائيلية وكيف يمكن أن يكون هناك من يتحدث عن "انتصار على إسرائيل" فيما النتيجة العملية الحقيقية الوحيدة للحرب هي القرار الرقم 1701 الصادر عن مجلس الأمن. أنشأ هذا القرار، الذي يمكن أن يصبّ في مصلحة لبنان وأهل الجنوب، القوة الدولية المعززة التي سمحت بانتشار الجيش اللبناني في جنوب لبنان للمرة الأولى منذ ثلاثة عقود. متى يقف "حزب الله" مع تنفيذ القرار 1701، يصبح هناك أمل في الانتصار على إسرائيل... يكفي أن القرار يساهم بإبعاد شرورها عن لبنان. المؤسف أن الحزب ذي المرجعية الإيرانية لا يجد غضاضة في تعطيل الحياة في وسط بيروت وتهجير مزيد من اللبنانيين.

كاتب لبناني

التعليق