ضرورة تحرك الاتحاد الأوروبي في دارفور

تم نشره في الثلاثاء 1 أيار / مايو 2007. 03:00 صباحاً

أربعة أعوام مرت منذ أصبح الحكم في دارفور للعنف والرعب. وبعد العديد من الجهود والمحاولات عديمة الجدوى، بات لزاماً على الاتحاد الأوروبي أن يتعامل على نحو أكثر شدة مع المسؤولين عما يحدث هناك.

لقد تحولت دارفور إلى كارثة إنسانية: حيث قُـتِل ما يزيد على مائتي ألف شخص، وتعرض الآلاف للاغتصاب والتعذيب، ونزح ما يقرب من 2.6 مليون إنسان، بسبب الحرب التي تشنها الحكومة السودانية على شعبها. لقد تحولت المسألة التي بدأت كحملة مضادة للتمرد إلى عملية قتل وتشريد. وكانت الحكومة السودانية تجند رجال ميليشيات "الجانجويد" المحلية، التي هاجمت المئات من القرى والبلدات الضعيفة العاجزة عن الدفاع عن نفسها. وكانت تلك الغارات تتم بالتنسيق مع القوات الجوية السودانية في كثير من الأحوال.

ولقد كانت العواقب مدمرة. حيث أجبِر ما يزيد على ثلث سكان دارفور على الخروج من ديارهم، والإقامة في معسكرات منعزلة داخل السودان، حيث ما يزالون عُـرضة لإرهاب الجانجويد، أو في معسكرات لاجئين في تشاد لا تقل الأوضاع فيها سوءاً عن نظيراتها في السودان. كما تحرص الحكومة السودانية، باللجوء إلى التحرشات والبيروقراطية العقيمة، على عرقلة جهود الإغاثة الإنسانية الدولية لمساعدة المتضررين من تلك الحرب داخل السودان. وحتى إذا ما سمحت الحكومة السودانية بوصول المساعدات إليهم فإن الأمر يبدو وكأن الهدف من ذلك، كما قال أحد كبار مسؤولي الأمم المتحدة: "إبقاء هؤلاء الناس على قيد الحياة باستخدام مساعداتنا الإنسانية حتى يحين وقت ذبحهم".

إن الأمر في دارفور يحتاج إلى عمل دولي حاسم ومتماسك. فجميعنا نتحمل مسؤولية مساعدة النازحين على العودة إلى ديارهم. ففي غضون السنوات الثلاث الماضية أصدر مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة عشرة قرارات تلزم الحكومة السودانية بتغيير مسارها والوفاء بالتزامها بحماية مواطنيها. ومن بين هذه القرارات قرار من مجلس الأمن يطالب الحكومة السودانية بنزع سلاح الجانجويد. إلا أن الحكومة السودانية لم تف بتعهداتها بتنفيذ ذلك المطلب حتى الآن.

في شهر نوفمبر/تشرين الثاني 2004، كانت الأطراف على وشك التوصل إلى حل سلمي، حين وقعت الحكومة والمتمردون على اتفاقية لوقف إطلاق النار والسماح بمرور المساعدات الإنسانية. ولبرهة قصيرة من الوقت لاح الأمل في الأفق في حلول السلام. فبفضل قرار من مجلس الأمن وجهود المفاوضات الدولية أصبح الطريق ممهداً أمام إنهاء الحرب التي دامت عشرين عاماً في جنوب السودان ـ ولقد كان ذلك بمثابة تقدم مفاجئ أدى إلى توقيع اتفاقية بين الحكومة والمتمردين الجنوبيين في شهر يناير/كانون الثاني 2005. وفي ذلك الوقت بات من المنتظر أن يعقب ذلك تقدم مشابه في غرب السودان.

إلا أن ما حدث كان على النقيض مما توقعناه جميعاً. فبعد أن هدأت غارات القصف الجوي لبعض الوقت، سرعان ما عادت الطائرات، واستأنف الجانجويد حملة القتل والتدمير. وكانت الجولة الثانية من مفاوضات السلام، والتي بدأت في ديسمبر/كانون الأول 2004، قد وصلت إلى طريق مسدود، بعد أن شنت الحكومة هجوماً عسكرياً بمجرد بدء المفاوضات، في تحد لوقف إطلاق النار. ومثل هذا التصرف يؤكد عدم احترام الحكومة السودانية لالتزاماتها.

في شهر أغسطس/آب الماضي فوض مجلس الأمن قوة حفظ سلام تابعة للأمم المتحدة يزيد قوامها على العشرين ألف جندي لكي تحل محل القوة الضئيلة الرمزية التي أرسلها الاتحاد الأفريقي والموجودة حالياً هناك. ولم يكن من المفاجئ أن ترفض الحكومة في الخرطوم هذه الفكرة. ثم أسفرت مفاوضات لاحقة عن التوصل إلى اتفاق تسوية في نوفمبر/تشرين الثاني يقضي بتكوين قوة مشتركة مؤلفة من قوات الاتحاد الإفريقي والأمم المتحدة، وكان من المفترض أن تنتشر هذه القوة على ثلاث مراحل.

واستمرت المحادثات في هذا الشأن حتى اليوم، ولكن على الرغم من عناوين الصحف التي تعلن بين الحين والآخر عن التوصل إلى اتفاق، ظلت الحكومة السودانية تستغل كل فرصة لتأجيل أو محاولة إضافة شروط لموافقتها على نشر تلك القوة. والنتيجة أن المرحلة الثانية من نشر القوات لم تنفذ حتى الآن، على الرغم من موافقة الخرطوم عليها منذ ستة أشهر.

إن خلاصة الأمر لا تخرج عن التالي: إما أن تكون الحكومة السودانية غير قادرة أو غير راغبة في حماية مواطنيها من هذا النوع من العنف الجماعي. وطبقاً لمبدأ "المسؤولية عن الحماية"، الذي تبناه رؤساء الدول والحكومات بالإجماع في إطار قمة الأمم المتحدة العالمية التي انعقدت في شهر سبتمبر/أيلول 2005، إذا ما عجزت دولة ما عن الوفاء بهذا الالتزام الأساسي، فإن المسؤولية تتحول إلى المجتمع الدولي، الذي يصبح في هذه الحالة مفوضاً باللجوء إلى عدد من الإجراءات، ومن بينها اللجوء إلى القوة العسكرية، إذا استلزم الأمر ذلك.

إلا أن التدخل العسكري في دارفور دون موافقة من الحكومة السودانية ليس بالخيار المطروح اليوم. ليس فقط لغياب الإرادة السياسة الكافية لتشكيل قوة دولية، بل إن الأمر يرتبط في المقام الأول بالشكوك في احتمالات نجاح مثل هذه العملية.

مع ذلك فمايزال أمام المجتمع الدولي عدة خيارات. ورغم أنه من الأفضل أن يتبنى مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة هذه الخيارات، إلا أن الاتحاد الأوروبي يستطيع، بل لابد، أن يتحرك من أجل تعظيم التكاليف التي لابد وأن تتحملها الحكومة السودانية نتيجة لاستمرارها في عرقلة جهود تسليم مواد الإغاثة وتبني التكتيكات الرامية إلى تعطيل نشر قوات حفظ السلام الدولية.

لهذه السبب بات لزاماً على وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي أن يستمعوا إلى النداء الذي أطلقه البرلمان الأوروبي بضرورة فرض عقوبات جادة على الحكومة السودانية، التي تم تحديد اللاعبين الرئيسيين فيها بواسطة لجنة تحقيق تابعة للأمم المتحدة وهيئة من الخبراء. ويتعين على الاتحاد الأوروبي أن يجمد أصول هؤلاء الأفراد وأن يفرض حظراً شاملاً على سفرهم إلى بلدان الاتحاد الأوروبي.

فضلاً عن ذلك، لابد وأن تستهدف هذه العقوبات أشد القطاعات إيلاماً بالنسبة للحكومة السودانية: ومن بينها عائدات الاستثمار الأجنبي في قطاع النفط السوداني، والسلع والخدمات المقدمة لهذا القطاع أو المرتبطة به. كما يتعين على الاتحاد الأوروبي أن يستن تشريعاً يحظر على الشركات العاملة في البلدان التابعة له التورط في أي تعامل مباشر مع قطاع النفط السوداني أو الصناعات المرتبطة به.

فضلاً عن ذلك، لابد من التحقيق في الحسابات الدولية لشركات الأعمال المرتبطة بحزب المؤتمر الوطني، وهو حزب الأكثرية الحاكم في الخرطوم، تمهيداً لفرض عقوبات على الكيانات التجارية التابعة للنظام، والتي تشكل القناة الرئيسية لتمويل وكلائها من مليشيات الجانجويد في دارفور.

إن هذه العقوبات من شأنها أن تؤثر على قوة وسلطة اللاعبين الرئيسيين في هذه الأزمة. وبفرض هذه العقوبات تكون أوروبا قد خطت خطوة حقيقية نحو وقف القتل في دارفور ومد يد المساعدة الصادقة إلى أهلها.

يوشكا فيشر وزير خارجية ألمانيا سابقاً، وعضو مجلس أمناء مجموعة الأزمة الدولية.

خاص بـ"الغد" بالتنسيق مع بروجكت سينديكيت

التعليق