د.باسم الطويسي

المجتمع المدني وحماية المستهلك

تم نشره في الجمعة 27 نيسان / أبريل 2007. 02:00 صباحاً

أزمة ارتفاع الأسعار ليست طارئة بل هي ممتدة منذ أكثر من عام ولا تنحصر بالأسابيع أو الشهور القليلة الماضية، والأزمة الممتدة والخانقة لا تنحصر أيضا - كما يلاحظ- في أسعار الخضار والفواكه، بل المسألة متدحرجة وتشمل كافة السلع الأساسية والمواد الغذائية وبعض الخدمات وصولا الى أسعار الحديد والاسمنت وحتى بيوت الصفيح، بالتزامن مع ازدياد حدة تآكل الدخول وارتفاع معدلات التضخم لأرقام مضاعفة للمعدلات المعلنة، وعمليا الأزمة الاقتصادية تفتك بالقواعد الاجتماعية العريضة ولا نسمع إلا صوت الاختناق.

مطحنة الأسعار تدور بقوة وتختلف التفاسير في البحث عن الجهة التي تتحمل المسؤولية، ولا يبحث احد عن حل، بينما رفعت السلطات المعنية كل أشكال الضوابط على تجارة التجزئة والجملة مع غياب مخجل ليس للجهات الرسمية وحدها، بل من مؤسسات المجتمع المدني، بما في ذلك المؤسسات المعنية بحماية المستهلك وحماية حقوق المواطن، وأولا وأخيرا الأحزاب؛ أليس قوت المواطنين هو صلب السياسة وجوهرها.

إذا كانت الحكومات والمؤسسات الرسمية لا تقوم بواجباتها بحماية حقوق المواطن في الأكل والشرب والتدفئة والملبس والسكن فإن ذلك لا يعود لعدم رغبتها في القيام بهذا، بل الأمر في مجمله يرتبط بالكفاءة أكثر من الإرادة، ويعود الأمر في جانب مهم الى مسألة توزيع القوة في المجتمع، فالمؤسسات الرسمية عودتنا ان تكون آخر من يدري وآخر من يتحرك.

لم يتعلم المجتمع المدني بناء مؤسسات مدنية نابهة قادرة على حماية المستهلكين وعدم تركهم فريسة لقوانين لعبة السوق، المجتمع المدني الهزيل بأحزابه ونقاباته وإعلامه ومؤسساته الأخرى أصبح عبئا على المواطن أكثر من الحكومات، وكلاهما مؤسسات رسمية ومدنية؛ ينبطحان باسترخاء أمام لعبة سوق بدائية تتحدث عن الاندماج بالعولمة والتجارة الحرة، واصدق من يفسر أزماتها القوانين الأساسية المبكرة لفائض القيمة الاقتصادية.

يجب ان نعترف، ونتعامل على أساس هذا الاعتراف، انه لم يعد يوجد في الأردن مزارعون بالمفهوم الفلاحي المعروف؛ أي الفلاح الذي يعاني من جور التاجر وقوانين السوق بموازاة المستهلك، يوجد في الأردن اليوم رجال إعمال يستثمرون في القطاع الزراعي، يزرعون ويصدرون في الغالب، ومزارعون صغار يبيعون منتجاتهم بأسعار زهيدة للتجار، ثم تباع للمستهلك بمعدل يصل الى أربعة أضعاف.

وفي الوقت الذي تزدحم فيه أصوات اتحادات وجمعيات وروابط وتنظيمات مصالح متعددة مرة باسم المزارعين ومرة باسم المنتجين، وأخرى باسم المصدرين وعاشرة باسم الوسطاء لا نجد أي صيغ حقيقية فاعلة لتنظيمات ومؤسسات مدنية لا حضور حقيقيا لها ولا نريد ان نظلمها أكثر من ذلك، وبينما تغيب قدرة المجتمع المدني على التعبير عن مصالح القواعد الشعبية العريضة وابسطها حماية حقوق المستهلكين تغيب أيضا القدرة على بناء تحالفات المصالح بين المؤسسات المدنية.

لا توجد قدرات واضحة على خلق آليات ضغط توازي نفوذ آليات الضغط التي تملكها السوق أو تقترب منها، أو على اقل تقدير آليات تملك القدرة الحقيقية على التأثير في الرأي العام وتنبهه لمصالحه الأساسية وتسهم في بناء أجندة الشارع مقابل أجندة السوق.

إذا قبلنا بتحرير التجارة من كل الضوابط وشرعنا لذلك بأعظم القوانين! فانه من المضحك ان نأخذ بأعتى صيغ الرأسمالية ولبيراليتها بقدم واحدة عرجاء في عصر السرعة دون ان ننقل التجربة بأطرافها كافة، ونقصد بذلك المجتمع المدني القوي القادر على بناء التحالفات وجماعات الضغط والمصالح التي تمثل الرأي العام واولويات القواعد الاجتماعية العريضة.

لكي لا يكون الكلام نظريا يجب ان نتذكر كم أسقطت جمعيات صغيرة وروابط أهلية متواضعة في إمكانيتها قلاعا اقتصادية. فالسياسة تكمن أولا وأخيرا في قوت الناس.

basimtwissi@hotmail.com

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »لدينا هيئة تسمى زورا "جمعية حماية المستهلك". (Jebril Alhelalat)

    الجمعة 27 نيسان / أبريل 2007.
    سيدي, لم اجد ابلغ من تعبرك عن الحال القائم في اردننا العزيز, فأقتيس مما كتبت:
    "لم يتعلم المجتمع المدني بناء مؤسسات مدنية نابهة قادرة على حماية المستهلكين وعدم تركهم فريسة لقوانين لعبة السوق، المجتمع المدني الهزيل بأحزابه ونقاباته وإعلامه ومؤسساته الأخرى أصبح عبئا على المواطن أكثر من الحكومات، وكلاهما مؤسسات رسمية ومدنية؛ ينبطحان باسترخاء أمام لعبة سوق بدائية تتحدث عن الاندماج بالعولمة والتجارة الحرة، واصدق من يفسر أزماتها القوانين الأساسية المبكرة لفائض القيمة الاقتصادية".
    أعتقد ان لدينا هيئة تسمى زورا "جمعية حماية المستهلك". ام اندمجت هي ايضا في قوى السوق الحر؟! حتى القوى الاقتصادية العالمية القائمة على مبادئ الرأسمالية والعولمة والسوق الحر تأخذ بالاعتبار قدرات مواطنيها الاقتصادية قبل إقرار أي سياسة اقتصاية و لديها مؤسسات مجتمع مدني تعاونها في ذلك بدون تنظير. كما ان اقتصاديات السوق تؤمن بأخلاقيات العمل و الاستثمار والتجارة Business ethics. لكننا وللأسف اردنا دخول العولمة و تحرير الاقتصاد على مبدأ الاخذ بنصف الآية الكريمة:«ولا تقربوا الصلاة و أنتم سكارى».