إبراهيم غرايبة

العراق الديمقراطي

تم نشره في الجمعة 27 نيسان / أبريل 2007. 03:00 صباحاً

حصل العراقيون على الانتخابات وشكلوا برلمانا منتخبا وحكومة منبثقة عنه، ولكن العراق الديمقراطي اليوم وفق الدكتور عبد الوهاب رشيد في كتابه "التحول الديمقراطي في العراق" يعاني من الشبكات الإجرامية التي تمارس النهب والحرق وتخريب مؤسسات الدولة، ومافيات المخدرات، وانتشار الفساد الخلقي والبغاء في ظروف الفوضى وغياب القانون، وفشلت الدساتير الجمهورية المؤقتة وعبرت عن فشل القوى العراقية في التوصل إلى توافقات وطنية عريضة تتناسب وتتناغم مع مشروع تحديث الدولة-المجتمع.

وتصاعد الدور الإيراني في الحياة السياسة والمجتمعية في العراق المحتل، بل أصبحت إيران أهم لاعب سياسي بعد الولايات المتحدة، ولا غرابة إذا أصبحت إيران هي القوة الإقليمية الأبرز ومن دون منافس بعد غياب القوة العراقية.

وقد استثمرت الإدارة الأميركية انهيار مؤسسات الدولة العراقية، فاستولت على الأموال العراقية المجمدة التي تجاوز رصيدها 17 بليون دولار مضافا إليها الرصيد المتراكم للعراق من برنامج النفط مقابل الغذاء والبالغ 11 بليون دولار، واستولت قوات الاحتلال على الاحتياطات النقدية العراقية المقدرة بسبعة بلايين دولار.

لقد قدرت خسارة العراق من جراء الاحتلال الأميركي بحدود 420 بليون دولار عدا الخسائر البشرية، بالرغم أن العراق يمتلك أكبر احتياطي من النفط الخام بعد السعودية وبواقع 11% من الاحتياطي النفطي المؤكد وجوده في العالم، لكن طريقة إدارة سلطة الاحتلال لنفط العراق تقتصر على هدف واضح هو تصدير أكبر كمية ممكنة من النفط، على رغم احتمالات خطورتها على المكامن النفطية، وجمع إيراداتها تحت السيطرة، واستيراد كميات كبيرة من المنتجات النفطية إلى العراق لزيادة استنزاف موارده.

كيف سيجري التحول الديمقراطي في العراق بعد ثمانين سنة من التفاعلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية المعقدة والمتناقضة انتهت باحتلال كارثي؟ إن التحول الديمقراطي في العراق اتخذ مسارا أقرب إلى المتاهة، وغدا يتطلب شروطا أكثر صعوبة بعد الاحتلال.

لقد تضاعفت الأزمة في العراق حتى يبدو متجها بعد رحيل الاحتلال إلى تكرار مستنقع الصراعات والتصفيات التي أعقبت الانقلاب العسكري لعام 1958، وبالطبع فإن التفكير التلقائي للبديل والعلاج يتجه إلى المجتمع المدني باعتباره الرافعة التي يقوم عليها التحول الديمقراطي، ويمكن الإشارة هنا إلى تجربة السودان بعد الانقلاب العسكري الذي وقع عام 1985 بعد ستة عشر عاما من الحكم العسكري، فقد أسند سوار الذهب الحكم الانتقالي إلى النقابات المهنية لتدير الانتخابات العامة.

ولكن القيادات السياسية العراقية ماتزال بعد أربع سنوات من سقوط النظام السياسي السابق تتصرف وتتحدث كما لو أنها ماتزال المعارضة السابقة، ولا يشغلها سوى جرائم النظام السابق وذكرياته، ويبدو أنها لم تسمع أو تقتنع بعد بتحديات العراق الجديد من الإعمار والأمن والصحة والكهرباء والتعليم والعمل، أو تنتقل منها إلى قصة مقتل الحسين بن علي ومظالم يزيد والأمويين!، والميليشيات المسلحة التي تقود الجيش والشرطية يبدو أنها تعتقد بالفعل أنها تخوض حربا على الأمويين وكأنها تعيد تمثيل مشهد كربلاء معكوسا هذه المرة، فتنتقم للحسين من المدنيين العزل والأطفال، وحتى برامج الحكومة وخطابها يبدو وكأنه لنصرة الشهيد الأعظم الإمام الحسين!

استعادة الخصم ليست خاصة بالعراق، ولكنها في العراق أوضح ما تكون دليلا على تقمص الضحية لشخصية الجلاد، فوزارة الداخلية العراقية تنشئ فرقا للموت تعدم، بلا محاكمة ولا بينة، الناس وفق انتماءاتهم الطائفية والإثنية، كما لو أن وزارة الداخلية هي نفسها الميليشيات الشيعية التي تتدرب وتعمل في إيران لمناهضة صدام حسين، أو كما لو أنها فدائيو صدام، ولا تريد أن تدرك أنها لم تعد كذلك وأنها الحكومة العراقية، وأن الأمويين رحلوا وكذلك صدام حسين، ولم يعد مناص من مواجهة سؤال الكهرباء والأمن والصحة والعمل والفساد والجريمة، التي لا ينفع في مواجهتها اللطم على الصدور والبكاء على الشهداء والدعاء على الأمويين والبعثيين.

كأن الشيطان الأكبر حلا لأزمة أكثر مما كان أزمة، واليوم ماذا سنفعل بلا شيطان أكبر؟

ibrahim.gharaibeh@alghad.jo

التعليق