محمد أبو رمان

"حماس العراق": ملامح صراع إخواني- سلفي

تم نشره في الأربعاء 25 نيسان / أبريل 2007. 03:00 صباحاً

يصل الجدل والاختلاف حول إعلان تأسيس حماس العراق، إلى حدود الحرب الإعلامية الشرسة بين المؤيدين للتوجه الجديد وبين الرافضين والمتهمين له ولتوقيته.

حماس العراق خرجت من رحم كتائب ثورة العشرين، رسميا في شهر آذار المنصرم، بعد أن جرى إعلان انقسام الكتائب إلى فيلقين؛ الأول "كتائب ثورة العشرين- فيلق الجهاد"، والثاني "كتائب ثورة العشرين- فيلق الفتح"، وكان من الواضح ان سبب الانقسام يعود إلى خلافات فكرية وسياسية. ثمّ أعلن فيلق الفتح عن عزمه بناء مؤسسات سياسية وإعلامية تشكل حركة شاملة باسم حركة حماس- العراق، وقد توازى ذلك مع تفاقم الخلافات بين فتح والجهاد، وأدى في المحصلة إلى الانفصال الكامل والاستغناء عن اسم كتائب ثورة العشرين، وظهور حماس العراق كفصيل سياسي- عسكري جديد، أعلن عن نفسه بوضوح شديد من خلال البيانات المتعددة، ومن خلال قناة الجزيرة الفضائية مقدماً خطابه السياسي وعقيدته ورؤيته العامة.

ولادة حماس العراق جاءت في سياق الإعلان للمرة الأولى عن الخلافات الحادّة في أوساط الجماعات المسلحة السنية، بخاصة بين القاعدة من جهة وكل من الجيش الإسلامي وكتائب ثورة العشرين من جهة أخرى، تلك الخلافات أدّت إلى صدامات مسلحة، ونتج عنها قتلى وجرحى من الكتائب والجيش الإسلامي، من بينهم أحد قادة كتائب العشرين، ابن شقيق الشيخ حارث الضاري، رئيس هيئة العلماء المسلمين.

الصدام بين القاعدة وبعص فصائل المقاومة كان متوقعاً نظراً للخلافات الفكرية والسياسية الحادة، لكن ما أجج الوضع ونقل الأزمة إلى مرحلة متقدمة، متغيران؛ الأول إصرار ما يسمى بـ"دولة الإسلام في العراق" (الاسم الجديد للقاعدة) على بسط نفوذها على المناطق السنية وفرض شروطها ورؤيتها على الفصائل الأخرى، والثاني بدء مفاوضات سياسية بين بعض فصائل المقاومة وبين مسؤولين أميركيين من جهة ودول عربية أخرى من جهة أخرى، وهي المفاوضات التي ترفضها القاعدة بشدة، وتعتقد أن رأسها هو الثمن المطلوب منها، وقد صدّر أبو عمر البغدادي (أمير دولة العراق المفترضة) أحد خطاباته النارية الأخيرة بالتنديد بأي اتفاق يتم في هذا السياق.

لم تمض إلاّ ساعات قليلة على إعلان حركة حماس- العراق حتى تأجج الصراع الإعلامي المتبادل. المنتديات الجهادية التي ينشط فيها أنصار القاعدة بدأت بحملة واسعة ضد حماس العراقية، إذ تربط هذه الأصوات تأسيس حماس العراقية بالدور السعودي والعربي في العراق، ولا تتردد أن تطلق عليها "حزب الله السعودي"، وتتهم الحزب الإسلامي ونائب الرئيس العراقي طارق الهاشمي أنهما وراء الفكرة، وأن ذلك بمثابة تمهيد لخروج الاحتلال من المناطق السنية وتسليمها لقوة تحظى بالقبول العربي والأميركي، وتتكفل هي بمواجهة تنظيم القاعدة.

على الطرف المقابل رحبت هيئة العلماء المسلمين من خلال عدد من قياداتها كمثنى حارث الضاري ود. محمد عياش بالحركة الجديدة معتبرين أنها خطوة مهمة طالما انتظرتها الجماهير المسلمة، وكانت الحاجة إليها ماسة. ومن الواضح أنّ هنالك اهتماماً اعلامياً من قبل جماعة الإخوان المسلمين في العديد من الدول بميلاد حركة حماس الجديدة، وربط اختيار الإسم (تيمنا بحماس فلسطين) بمنهج الحركة السياسي والفكري.

في الوقت الذي لا يمكن استبعاد فرضية وجود "يد" أو على الأقل "عين" عربية في عملية ميلاد الحركة الجديدة، كما يذهب أنصار القاعدة، إلاّ أنّ الجانب الأهم من ذلك أن هذه الحركة أقرب إلى الفكر الإخواني من السلفي، وأنّها تعكس بداية دور سياسي- عسكري واضح ومعلن لجماعة الإخوان في المشهد العراقي، بعد أن كانت الصبغة السلفية هي الطاغية على المقاومة، بينما كانت هوية كتائب العشرين السياسية والفكرية غير واضحة مقارنة بالهوية الصارخة للقاعدة، والواضحة إلى درجة مفهومة بالنسبة للجيش الإسلامي.

يرى أنصار تيار "السلفية الجهادية"، الذي يشكل الحاضنة الفكرية للقاعدة وانصار السنة وبعض التنظيمات الأخرى، أن هنالك محاولة لسرقة جهود هذه الحركات في العمل المسلح وتجييرها لصالح الإخوان. مع التذكير بالموقف الحاد لهذا التيار من التجربة الإخوانية، كما هو الحال في خطاب الظواهري والزرقاوي وغيرهما من ناحية، وشعور التيار "السلفي الجهادية" - من ناحية أخرى- أن فشل المشروع الأميركي في العراق هو انجاز لجهوده وعمله بدرجة رئيسة.

في ميزان القوى تشير التقديرات والتقارير المختلفة إلى أنّ القاعدة هي التنظيم الأقوى عسكرياً، فيما تأتي كتائب ثورة العشرين، التي خرجت من رحمها حركة حماس العراق في مرتبة ثالثة، وربما رابعة. في هذا السياق لا يمكن التنبؤ بموقع حماس العراقية على الخارطة العسكرية والسياسية، بخاصة أنها تشكل أحد فرخي كتائب العشرين (الفرخ الآخر هو فيلق الجهاد).

أمّا الجيش الإسلامي، الذي يشكل القوة العسكرية الثانية بعد القاعدة، فلم يتضح موقفه من التطورات الأخيرة، على الرغم من بروز خلافات بينه وبين "دولة العراق الإسلامية" (القاعدة) حاول أمير الدولة المفترضة، أبو عمر البغدادي، رأبها بسرعة شديدة من خلال خطاب تصالحي، كان واضحاً أنه موجه بدرجة رئيسة إلى الجيش الإسلامي، الذي قابله برد إيجابي.

على صعيد الحراك داخل "إخوان" العراق؛ فمن المعروف أنّ الحزب الإسلامي، الذي يشارك في المؤسسات السياسية الحالية بقيادة طارق الهاشمي ومحسن عبد الحميد، هو بمثابة واجهة سياسية لجماعة الإخوان، إلاّ أنّ هيئة العلماء المسلمين، التي تقاطع العملية السياسية وترفضها وتدعم المقاومة، هي أيضاً ذات صبغة إخوانية غالبة، بل هي أقرب إلى موقف التنيظمات الإخوانية الإقليمية من الحزب الإسلامي، فضلاً أنها تحظى بتأييد ودعم التيار السلفي الإصلاحي في السعودية، لكن غير معروف إلى الآن طبيعة العلاقة بين حماس الجديدة وبين الحزب الإسلامي، فيما إذا كانت المسألة تعكس الخلافات داخل "إخوان العراق" أم أننا سنشهد عملية توزيع أدوار بين التعبيرات الإخوانية المختلفة؟

على العموم؛ بروز حركة حماس- العراق يعكس موقفاً "إخوانياً" جديداً يقوم على بناء مؤسسات سياسية وعسكرية، كما هو الحال في فلسطين، والتعريف بمنهج الحركة السياسي والفكري المتباين كثيراً عن القاعدة وبعض القوى المسلّحة الأخرى، ويبدو هذا الخطاب (كما أعلن عنه) متوازناً وطنياً تصالحياً، فهو مع إصراره على المقاومة المشروعة لخروج الاحتلال، لا ينكر مبدأ التفاوض المشروط، كما أنه يجعل المصالحة الوطنية ووحدة العراق والعيش المشترك بين الطوائف والأديان والمذاهب والأعراق مبدأ أساسياً، ويحرم استخدام السلاح بين العراقيين وقتل المدنيين والأبرياء، ويؤكد على أهمية توظيف العمل العسكري لتحقيق أهداف سياسية ملموسة.

مقارنة الخطاب السياسي لحماس العراقية مع خطاب الفصائل المسلحة الأخرى ترجح كفة خطاب حماس لما فيه من اتزان واعتدال وصبغة وطنية- عقلانية، إلاّ أن المختبر الحقيقي يبقى في أرض الواقع، وفيمن يحدد وجهة المرحلة القادمة داخل المجتمع السني العراقي؟

m.aburumman@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »رد من الكاتب محمد أبو رمان (محمد أبو رمان)

    الأربعاء 25 نيسان / أبريل 2007.
    الاخ العزيز حسين نور الدين،
    قرأت تعليقك مشكورا، بالإضافة لتعليقك على مقال الزميل ايمن الصفدي في السياق نفسه.
    دعنى أتفق معك أولا أن هنالك ازدواجية معايير بالفعل وخلل في تعامل الاعلام العربي مع المشهد العراقي، وتجاوز للمعايير الإنسانية وتجاهل للمعاناة الكبيرة تحت وطأة ايديولوجية شعبوية مدمرة.
    لكن اختلف معك في أمور متعددة:
    أولاً في طغية "الغد" للشأن العراقي، فنحن حريصون تماماً في التعامل مع الموضوع ونستخدم اعلى درجات الحساسية المهنية والاخلاقية. ونرفض بشدة التعميم بوصف أعمال القتل البشعة التي ترتكبها الجماعات المتطرفة بأنها اعمال مقاومة، ونصفها بوضوح بأعمال مسلحة، وعندما تستهدف مدنيين نقول انها إجرامية وعدمية، ونميز بين ما يستهدف قوات الاحتلال وبين ما يستهدف العراقيين رسميين وغيرهم، وقد منعنا مقالات عديدة وغيرنا مقالات اخرى تختلف مع سياسة الصحيفة وموقفها المعلن من هذه القضية.
    في المقابل لا نستطيع وسم العمليات التي تستهدف قوات الاحتلال بانها ارهاب ونعطي للكاتب الحرية في وصفها، لكن مع التأكيد على عدم الخلط.
    ونقدر موقفكم ورأيكم في هذا المجال
  • »كلهم سواء (حسين نورالدين)

    الأربعاء 25 نيسان / أبريل 2007.
    كلهم سواء. كلهم ارهابيون وان تستروا بالدين وبالمقاومة. اي مقاومة هذه التي تقتل العشرات من ابناء الشعب المسكين. استيقظوا ايها الصحفيون والكتاب، ايقظوا ضمائركم: انه القتل باسم الدين والوطن وهو مرفوض. كلهم سواء، من القاعدة الى حماس الى الاخوان الى ثورة العشرين والجهاد والفتح والجيش الاسلامي كلهم سواء، قد يختلفون ويتنوعون في الشكل والمظهر، لكنهم متساوون ومتشابهون في الجوهر.