إبراهيم غرايبة

العراق والبناء الديمقراطي

تم نشره في الأربعاء 25 نيسان / أبريل 2007. 03:00 صباحاً

يقدم كتاب "التحول الديمقراطي في العراق، المواريث التاريخية والأسس والمحددات الخارجية" من تأليف عبد الوهاب رشيد، والذي صدر مؤخرا عن مركز دراسات الوحدة العربية، مشروعا عميقا وذكيا للبناء الديمقراطي في الوطن العربي، فالعراق ليس بلدا مختلفا عن دول العالم في فرص ومعوقات الديمقراطية، ولكن الديمقراطية ليست مجرد انتخابات عادلة وليست أيضا حلا سحريا ولا سريعا ولا شاملا للأزمات والمشكلات المتراكمة والمتفاعلة، وإذا كان ثمة مشروع ديمقراطي بالفعل للعراق فيجب أن يأخذ بالاعتبار المشكلات والمتطلبات والشروط اللازمة للتحول، وتحليل ظروف البيئة الاجتماعية العراقية في ضوء المتطلبات التي تفرضها قضية التحول الديمقراطي وبالعلاقة مع مجموعة من عوامل بنيوية تلازم مسيرة التحول والتحضر الاجتماعي، وهذه العوامل هي: المواريث التاريخية- الثقافية، والبنية المؤسسية السياسية والاقتصادية والاجتماعية، والمحددات الخارجية من دولية وإقليمية وعربية، والمجتمع المدني الذي هو حصيلة العملية الديمقراطية، والتي تتطلب معالجة أمراض البيئة الاجتماعية، والتي يراها د. رشيد تتلخص في الغيبية، والمطلقية، واحتكار السلطة، والعنف.

يحب العراقيون أن يذكروا ويحق لهم ذلك بالطبع أنهم أنشأوا أول حضارة نقلت البشرية من عصر ما قبل التاريخ إلى عصر التاريخ، وأقامت أول مجتمع سياسي منظم في تاريخ البشرية بسلطته السياسية ونظامه الاقتصادي-الاجتماعي وقوانينه، ولكن ولادة هذه الحضارة من رحم المعتقدات الدينية جعلها كما يستنتج عبد الوهاب رشيد تقيم بيئة اجتماعية ترتكز على أربعة أركان أساسية لا تتفق ومتطلبات السير باتجاه الحضارة المعاصرة، أولها: المعتقدات المطلقة في التعامل مع عناصر النسبية والتي تشكل أساس الديمقراطية والمشاركة، وثانيها: العنف باعتباره وسيلة سماوية لحل المعضلات الدنيوية، وثالثها: الغيبيات السرية التي تخص الآلهة –الملائكة والشياطين والجن غير المنظورة، ورابعها: وحدانية القيادة السياسية التي تجسدت في مبدأ التفويض الإلهي المقدس، وهذه الأركان الأربعة للبيئة الاجتماعية للعراق ماتزال تشكل وتؤثر في التحول الديمقراطي للعراق الحديث مع الأخذ في الاعتبار الاختلافات النسبية في الدرجة والتفاصيل.

وبعد تحليل طويل للمواريث التاريخية والاجتماعية في العراق والتي قد يشارك فيها بطبيعة الحال كثير من الدول والمجتمعات في العالم وفي الشرق بخاصة يلاحظ عبد الوهاب رشيد غياب الوعي الوطني في أفكار وممارسات العراقيين، فلم يشعروا بانتمائهم إلى مجتمع واحد في ضوء الانتماءات الفرعية التي كانت سائدة، فحتى عشرينيات القرن العشرين لم يكن ثمة مجتمع طبيعي متماسك يمكن تشخيصه بأنه مجتمع عراقي، لقد كان المألوف تشخيص الأفراد –جغرافيا- كأن يقال هذا بغدادي أو بصراوي لأن كلمة عراقي لم يكن لها مدلول اجتماعي مفهوم أو مقبول.  

وفي التاريخ السياسي والاقتصادي للعراق الحديث الذي بدأ عام 1920 بقيادة الملك فيصل بن الحسين فقد حدثت تغيرات عنيفة وكبيرة في النظام السياسي والقيادي منذ الانقلاب العسكري الدموي الذي وقع عام 1958وأخذت المشكلات السياسية تتحدى النظام الجديد، وبخاصة كيفية إدارة الحكم وطبيعة القيادة، وإن استمر النشاط الاقتصادي العراقي في صعوده، ثم بدأ هذا البناء الذي تحقق بجهود متواصلة لا تقل عن نصف قرن من بالانحدار السريع مع الدخول في حرب ضد إيران، والتي كانت ضحاياها البشرية بحدود المليون من القتلى والمعوقين والأسرى؟ وبلغ النظام السياسي حافة الانهيار مع غزو الكويت، وحرب الخليج الثانية، وأخيرا قادت الحرب الأميركية-البريطانية على البلاد في آذار 2003 إلى تدمير الدولة العراقية وإلغاء النظام السياسي.

كانت كل مرحلة من المراحل السياسية للدولة العراقية تشكل هدرا فكريا وإداريا وبشريا وماديا في مواجهة التنمية المجتمعية، وذلك نتيجة ما يرافقها من تصفيات وعزل وتهجير الكفاءات والخبرات وإحلال عناصر غير مدربة من منطلق الولاء قبل الكفاءة، وإلغاء الأفكار والخطط السابقة.

ومع نجاح الولايات المتحدة في احتلال البلاد يكون التاريخ العراقي الحديث قد كرر نفسه ولكن على نحو أسوأ مقارنة بفترة الحرب العالمية الأولى والاحتلال البريطاني للعراق.

ibrahim.gharaibeh@alghad.jo

التعليق