إبراهيم غرايبة

الابتسامة والانتخابات

تم نشره في الجمعة 20 نيسان / أبريل 2007. 03:00 صباحاً

ربما لن يكون ظهور المرشحين للانتخابات في اللقاءات العامة والحملات الانتخابية والصور مبتسمين وفي مظهر ملائم حاسما في النجاح، لكن غياب الابتسامة سيكون بالتأكيد سببا في الفشل، وليس متوقعا أن ينجح مرشح متجهم الوجه أو يظهر في الصور واللقاءات بمظهر غير ملائم.

ولنتصور ظهور قائد أو مرشح للقيادة بمظهر غير المبتسم والمتفائل، سيفتح ذلك المجال لسلسلة من التحليلات والتخمينات تثير الغضب والاستياء والتكهنات القاتمة والمتشائمة، وكأن غياب الابتسامة علامة نحس على صاحبها والناس والمصالح.

هذه الابتسامة المحسوبة والزي المعد إعدادا مدروسا للتأثير في المشاهدين والجمهور تمثل تقليدا لعله الأكثر رسوخا وعمقا في التجربة الإنسانية، فقد سخرت له خبرات ومؤسسات منذ بداية الدول وامتدت وتراكمت التجربة عبر الدول والأجيال والحضارات، فكانت "الآداب السلطانية" تراثا صخما في الفكر العربي، لا تقتصر على نصائح الحكم والإدارة، ولكنها تمتد لتشمل كل ما يساعد الحاكم على النجاح، ومنها بطبيعة الحال مظهره ولباسه، وكان دليل العمل العربي للحكام من مقدمة ابن خلدون وعيون الأخبار لابن قتيبة، والأحكام السلطانية للماوردي، والشهب اللامعة في السياسة النافعة لابن رضوان، والسياسة في تدبير الرياسة المعروف بسر الأسرار لأرسطو امتدادا لتقليد ثقافي سابق في الحضارات الفارسية والرومانية والهندية، وجاء الفكر الغربي في القرون الخمسة الأخيرة ليقدم إنتاجا هائلا بدأه مكيافيلي في "الأمير" وصولا إلى مؤسسات العلاقات العامة والإعلان ومحطات التلفاز والفضائيات.

وفي مرحلة التقدم الإعلامي والتقني اليوم فإن الصورة بهيمنتها الأسطورية وإغرائها وتأثيرها المبهر تعود على نحو فيه كثير من الإغراق والتحضير، كأنما تعود بالمجتمعات والناس إلى مرحلة سابقة قبل قرون طويلة، عندما كانت الصور ترمز إلى التواصل مع الكون والحياة وأسرارها، وكأن الحكمة الإلهية والكونية حلت في الصورة.

فالإنسان بدأ بالتعبير عن الفكرة بالصورة، كانت اللغة صورة، فكانت أيضا صورة الحاكم تعبر عن شيء رمزي بالغ الدلالة والأهمية، ولأن تقاليد الحكم وأسراره ظلت تتراكم على نحو متصل بلا انقطاع بخلاف العلوم والخبرات الأخرى، فقد بقيت في صورة الحاكم تلك المعاني والإيحاءات، الرمز الذي يمنح البركة بابتسامته، والمبتسم دائما في حله وترحاله، ومرضه وصحته، وحزنه وفرحه، ماذا سيحل بالعالم لو غابت ابتسامة القادة والمرشحين للقيادة؟

تحت صورة لأحد الرؤساء (العرب طبعا) منشورة على الإنترنت كتب أحد المعجبين بالرئيس، "في ابتسامتك أيها الرئيس افهم معنى التوازن الشاق، والنظرة المستوعبة لكافة الأشياء"، وابتسامة الرئيس الكوري في مسابقة كأس العالم لكرة القدم كما أجمع المعلقون والمراسلون أطلقت دموع الملايين من الكوريين، من بينهم مليونان على الأقل احتشدوا في الساحات والمدرجات، إنه السر الذي يصعب فهمه وربما لا يجوز فهمه أو الاعتراض عليه، مثل وصفة الطبيب التي تشبه طلاسم السحر والشعوذة، ولعلها تعود إلى تلك الحقبة عندما كان الطب يمارسه السحرة والكهنة، وانتقلت طلاسمهم وأسرارهم إلى كليات الطب والعيادات.

والجزائر تنفست الصعداء بمشاهدتها ابتسامة الرئيس وعودته من رحلة العلاج، هذا هو عنوان الصحف ووكالات الأنباء ومواقع الإنترنت مع صورة الرئيس، ويعلق معارضو الرئيس أميل لحود بأنه فقد ابتسامته، ولذلك فربما يفقد الرئاسة، فهل يمكن أن تبقى الرئاسة بلا ابتسامة؟

وكتب روبرت هيل في نيويورك تايمز بعد إعادة انتخاب بوش رئيسا للولايات المتحدة: "ابتسامة الرئيس الذي يتقن كسب الجوانب الهابطة في طبيعتنا البشرية حركت العملية السياسية نحو اتجاه معاكس للقيم الأميركية القائمة على التسامح".

ومظهر القادة والمرشحين للقيادة يجب أن يكون رمزيا ومعبرا ومدروسا، فاللون الأزرق الفاتح كما يقول خبراء العلاقات العامة يوحى بالصفاء، ويجعل التفاؤل يتسرب لنفس المتلقي، وتظهر في بعض الصور والإعلانات التليفزيونية، أوراق بيضاء أمام القادة والمرشحين، فوقها قلم، الأمر الذي يوحي بأن المستقبل مفتوح وممتد أمامه ليرسم ويخطط للبلد، ثم ينفذ بجد واجتهاد ما خطط له، لماذا اختفت الصورة مع سماعة الهاتف على الأذن؟ وارتداء القميص وربطة العنق دون الجاكيت يعطي إيحاء بالشبابية والنشاط والانهماك في العمل الدؤوب، و"علم الإنسان ما لم يعلم".

ibrahim.gharaibeh@alghad.jo

التعليق