إبراهيم غرايبة

السودان والخروج من النفق

تم نشره في الأربعاء 18 نيسان / أبريل 2007. 02:00 صباحاً

يبدو السودان كلما خرج من أزمة يدخل في أزمة جديدة، وفي دوامة يبدو التخلص منها بالغ الصعوبة، والواقع أن أزمة السودان تعود إلى أكثر من مائة وخمسين عاما، فهي في الحقيقة أزمة الجغرافيا السياسية والصراع الدولي والإقليمي على نهر النيل والثروات والموارد الهائلة والنفوذ والتأثير العربي والإسلامي أو الغربي والاستعماري، فقد كانت الدولة العثمانية ومصر محمد علي ترى أن نهر النيل بمساره ومنابعه يجب أن يكون جزءا من مصر والعرب والمسلمين، وكانت بريطانيا وفرنسا ثم الولايات المتحدة ترى أن المنطقة الاستوائية حاجز استراتيجي أمام مصر والعرب، وظل قيام السودان الحديث ممتدا في الجنوب يبدو بالنسبة للغرب خطأ استراتيجيا يجب تصحيحه.

وفي كتاب "السودان على مفترق طرق، بعد الحرب وقبل السلام" الذي أصدره مؤخرا مركز دراسات الوحدة العربية ويضم مجموعة من الدراسات تبدو الأزمات السودانية المتشابكة والمعقدة في هذا السياق مثل حلقات تاريخية بدأت في القرن الـ19 ولم تتوقف بعد في تفاعلاتها ومساراتها.

فعندما تشكل السودان الحديث ظل منقسما بين شمال عربي إسلامي وجنوب ينزع بدعم أوروبي وأميركي إلى الاستقلال ورفض الاندماج، وما كادت تخف وطأة أزمة الجنوب حتى ظهرت أزمة دارفور فجأة وأضحت الشغل الشاغل للمجتمع الدولي والهم الأول الذي يؤرق الضمير العالمي وحظيت بتغطية إعلامية واسعة. وبرأي الباحثين تكمن أزمة دارفور الحقيقة في محاولات تصوير هذه الأزمة وكأنها حرب إبادة جماعية تقوم بها المليشيات التابعة للقبائل العربية (الجنجويد) المدعومة من قبل الخرطوم ضد القبائل والمجموعات الأفريقية الموجودة في المنطقة، فهذا الأمر -حسب الباحث محمد الأمين عباس النحاس- لا يتفق مع معطيات الواقع على الأرض، فمشكلة دارفور في الأساس هي التنمية، وفي حقيقة الأمر تقع مسؤولية ما يجري في إقليم دارفور الآن على عاتق جميع الأنظمة التي تعاقبت على السلطة في السودان، فهي لم تبذل الجهد المطلوب للنهوض بهذا الإقليم وبأهله، وبقيت الأحداث الدامية في دارفور تتصاعد حتى طاولت طبيعة الأزمة وحجم انتشارها الجغرافي، فقد ولدت في أوائل الستينيات على شكل صحوة سياسية نتيجة لتهميش السلطة المركزية للإقليم، ثم تطورت إلى احتجاج مسلح سنة 1990 سرعان ما قضي عليه، ثم فاجأت العالم في سنة 2003 بضربات عسكرية عنيفة ومتتالية ضد الجيش النظامي غطت الولايات الثلاث لإقليم دارفور.

لم تنشأ هذه الحركات العسكرية من فراغ، فقد سبقتها إلى الاحتجاج إرهاصات سياسية كان أهمها تجمعا سياسيا منظما نشأ تحت اسم جبهة نهضة دارفور عام 1964، وجاءت مطالب هذه الجبهة رد فعل على التخلف الذي يعانيه غرب السودان، وركزت الجبهة على المطالبة بالتنمية السياسية والاقتصادية والمشاركة في السلطة والثروة مع الحكومة المركزية، وكان منهجها في المعارضة سياسيا خالصا، ويلاحظ أن هذه المبادئ والأهداف تكاد تتطابق مع الإيقاد لحل مشكلة الجنوب، ما عدا مبدأ حق تقرير المصير الذي يراه مشجعا على تفتيت السودان.

وبالنسبة للولايات المتحدة التي ورثت النفوذ الغربي في أفريقيا فقد كانت تقف خلف اتقافية أديس بابا بين الحكومة وحركة التمرد في جنوب السودان عام 1972، والتي أتاحت للحرب بين الشمال والجنوب أن تتوقف لمدة عشر سنوات، وقد أعقب ذلك وجود شركة شيفرون الأميركية للاستثمارات البترولية في السودان وتدفق المعونات الأميركية وصندوق النقد الدولي على السودان، وهي (الولايات المتحدة) باختصار

معنية بالاستثمارات النفطية في السودان وأفريقيا وبوجود نظام سياسي في السودان يكون صديقا ومواليا لها، ويعتمد مستقبل العلاقة بينها وبين السودان على هذين العاملين، ولكن يبقى، حسب دراسة أميركية أعدها ثمانية مستشارين للأمن القومي، أن فكرة تقسيم السودان إلى ثلاث دول تبقى محتملة، وتقوم الفكرة على إنشاء دولة جنوبية نفطية غنية تدعمها الولايات المتحدة بالتكنولوجيا والسلاح، ودولة شمالية مرتبطة بمصر، ودولة في غرب السوادن برعاية إسرائيلية.

ibrahim.gharaibeh@alghad.jo

التعليق