إبراهيم غرايبة

رشوة للحصول على الحقوق

تم نشره في الثلاثاء 17 نيسان / أبريل 2007. 03:00 صباحاً

قضية الموظفة المشتبه بها في قضية رشوى تحدثت عنها الصحف قبل أيام تحتاج إلى توقف طويل، فالموظفة المشتبه بها لم تكن تقدم تسهيلات أو خدمات غير قانونية، ولكنها كانت تتقاضى مبالغ مالية من مواطنين يسعون للحصول على حقهم القانوني المفترض أن يحصلوا عليه بلا رشوة، وأعتقد أنها قصة تعبر عن حالة محزنة ومثيرة للفزع وربما تفوق الرشوة للحصول على تسهيلات وفرص غير قانونية، فشعور المواطن بأنه غير قادر على الحصول على حقه الأساسي وإجراء معاملات ومراجعات قانونية وصحيحة إلا بدفع رشوة يعني أن المواطنين في بلدهم تحولوا بالفعل إلى غرباء يشعرون بالإهانة وقلة الحيلة، وأعتقد أنها أسوأ حالة يمكن أن يعيشها المواطنون، وأخشى أنها تنذر بما هو أسوأ من الرشوة والاختلاس!

لم يدرك المواطن بعد، برغم النصوص الدستورية الواضحة والانتخابات المتكررة (والتنمية السياسية) والتزامه الاستثنائي بدفع الضرائب الباهظة وبنسبة من العبء ربما تكون الأكثر في العالم، بأنه صاحب الولاية على المؤسسات العامة وأنه ممولها، وأن النواب والوزراء والأعيان وسائر الموظفين هم وكلاؤه الذين اختارهم هو ليخدموه ويحققوا مصالحه واحتياجاته، وأنه هو الذي يدفع رواتبهم ومياوماتهم وسائر امتيازاتهم، وأن أي مواطن بلغ الثلاثين من عمره وليس محكوما بجناية هو مؤهل ليكون رئيسا للوزراء ووزيرا ونائبا، وأن أي مواطن بهذه الصفات يمكن أن يكون في مكان أي وزير أو نائب أو مدير عام ممن يجلسون على مقاعدهم ويمارسون أعمالهم بتفويض من المواطن الذي ائتمنهم على الضرائب التي يدفعها وولايته التي منحه إياها الدستور.

هذا الشعور بالغربة والضعف لدى المواطن يؤشر على كارثة سياسية واجتماعية تشجع على تقدير حالة التغييب والشعور بالمرارة والاستياء في أوساط الناس، والفجوة الكبيرة بين المواطنين، وتدفع إلى التساؤل والريبة عن وجهة السياسات والإنفاق العام المستمد من الضرائب والموارد العامة، ومن المستفيد في هذا البلد ومن المتضرر، ومن يعطي ومن يأخذ، ومن يتحمل العبء الأكبر ومن ينهل من خيرات الوطن، بل ويدفع إلى التساؤل إلى أين تمضي بنا المؤسسات التعليمية والإعلامية والثقافية إذا كانت عاجزة عن تقديم الشعور للمواطنين بأنهم أبناء هذا البلد وأصحابه المكلفون بالدفاع عنه والتضحية لأجله، وكيف سيطلب منهم ذلك وهم يشعرون أنهم عاجزون عن الحصول على حقهم القانوني والذي يمولون إدارته بأنفسهم؟ وما جدوى الديمقراطية والمشاركة السياسية والانتخابات إذا كانت لا تمنح للمواطنين الشعور بالمواطنة والانتماء والولاية على المؤسسات والمرافق؟ ولأجل ماذا تعقد اللقاءات الوطنية والعامة؟ وماذا تعني للمواطنين مفاهيم مثل التنمية السياسية، والأردن أولا، وكلنا الأردن؟

نحتاج إلى الاعتراف بأن المواطن يتعرض أحيانا للإهانة والاحتقار والتجاهل على نحو متواصل وجماعي في بعض الدوائر الحكومية، وأنه يعامل معاملة سيئة حتى وهو يراجع من أجل أن يدفع للحكومة فاتورة أو ضريبة، وأن الكثير من المدارس والمستشفيات والمرافق الصحية والعامة تمر بحالة غير مفهومة من الترهل والفساد المفترض، فلماذا تكون المدارس الخاصة أكثر انضباطا برغم أن معظمها لا تدفع لمدرسيها وموظفيها أكثر من وزارة التربية والتعليم؟ ولماذا تكون المستشفيات الخاصة أكثر نظافة وديناميكية وهي تدفع للممرضين والفنيين وغيرهم أقل من وزارة الصحة؟ ولماذا انتظر مواطن مثل متهم أمام المحاسب في مستشفى حكومي ثلاث ساعات ونصف لأجل أن يدفع مبلغا كبيرا من المال، وكلما استعطف المحاسب أن يتكرم عليه بقبول المال ينهره، ثم يتكرم عليه أخيرا بالسؤال عن اسمه، فينظر في الكمبيوتر ويجيبه إن فاتورته لم تصل بعد، ولكنه عندما تأكد بأنه أدب المواطنين وعلمهم الانضباط والاحترام يقول له باستخفاف: الفاتورة وصلت بالفعل قبل ساعات، ولماذا يبوح له بالسر، ولا يترك المجال للمواطن ليعتقد أن ثمة خطأ بيروقراطيا أو فنيا وليس عملية انتقامية من قبل الموظف أو ممارسة سادية للتسلط والإيذاء تحتاج إلى علاج طبي.

ibrahim.gharaibeh@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »العدل العليا ومقال الكاتب - بلا تعليق (معتصم مطارنة)

    الثلاثاء 17 نيسان / أبريل 2007.
    ما رأي الكاتب في ما ورد في جريدة الغد حول قرار محكمة العدل العليا؟؟!
    ألغت محكمة العدل العليا قرار مجلس بلدية السلط بإيقاع عقوبة ايقاف جميع العلاوات المترتبة لإحدى الموظفات في البلدية (عدا العائلية والشخصية) لمدة ستة اشهر.
    وتتلخص وقائع الدعوى ان المستدعية تعمل مهندسة في البلدية تم تحويلها الى لجنة تحقيق "لرفضها القيام بالأعمال حسب التعليمات وحصولها على استراحات طبية متكررة" فنسبت اللجنة بإيقاف جميع علاواتها "ما عدا الشخصية والعائلية "لمدة ستة اشهر والايعاز لها بالالتزام بالتعليمات فأصدر مجلس بلدية السلط القرار المشكو منه بالموافقة على تنسيب لجنة التحقيق.
    وجاء في قرار المحكمة الذي استند على نظام موظفي البلديات لعام 2002 وتعديلاته هو ان تحال جميع الاوراق الى المجلس التأديبي المختص الذي ينسب الى الجهة المختصة في (حالة الادانة) بإيقاع العقوبة المناسبة.
    رب صدفة خير من الف ميعاد "تزامن المقالة و عنوانها مع صدور القرار"
    اما انا فااكتفي ب " بلا تعليق"
  • »غياب امسائلة (محمد علي)

    الثلاثاء 17 نيسان / أبريل 2007.
    المشكلة انك اذا ذهبت لتشكو الموظف الى المسؤول عنه ينظر اليك وانك تتكلم لغة هندية واذاساعدك واعطاك حقك فانه يشعرك بانه قد فعل معك معروفا . انا شخصيا لا اتخيل ان المدراء يحاسبون الموظفين اذا اساؤو معاملة مواطن.