وعد العقوبات "الموجهة" الكاذب

تم نشره في السبت 14 نيسان / أبريل 2007. 03:00 صباحاً

على الرغم من لغته الخطابية المفرطة في التحدي والمواجهة، إلا أن الرئيس جورج دبليو بوش يتمنى لو يتمكن من تجنب الاختيار بين شن ضربات جوية على المواقع النووية الإيرانية وبين قبول إيران النووية.

في الوقت الحالي يأمل المسؤولون في الإدارة أن تنجح العقوبات "الموجهة" نحو القيادة الإيرانية مباشرة في فرض التسوية. والحقيقة أن القرار الأخير الصادر عن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، بتشديد العقوبات القائمة على إيران حالياً، بحظر التعامل مع خمسة عشر شخصاً بعينهم وثلاث عشرة منظمة، يهدف إلى تحقيق هذه الغاية بالتحديد. ولكن بينما يزعم البعض داخل حكومة الولايات المتحدة أن عقوبات مشابهة حثت كوريا الشمالية على اللجوء إلى التسوية فيما يتصل ببرنامجها النووي، إلا أن العديد من الأسباب ترجح أن نفس الإستراتيجية قد لا تنجح مع إيران.

أولاً، لا بد وأن ندرك أن العقوبات الموجهة لم تنجح حقاً مع كوريا الشمالية. مما لا شك فيه أن تجميد أرصدة قادة كوريا الشمالية التي بلغت 25 مليون دولار أميركي لدى بنك دلتا آسيا في مكاو قد أزعج قادة كوريا الشمالية إلى حد كبير. إلا أن تجميد الأرصدة لم يمنع كيم جونج إل من إصدار الأمر بإجراء تجربة على صاروخ باليستي في شهر يوليو/تموز الماضي أو إجراء اختبار نووي تحت الأرض في شهر أكتوبر/تشرين الأول.

والحقيقة أن استعداد كوريا الشمالية لاستئناف المفاوضات يعكس جزئياً القرار الأميركي بالتراجع عن الإصرار على "التفكيك الكامل والدائم على نحو يمكن التحقق منه" لبرنامج كوريا الشمالية النووي كشرط أساسي مسبق للدخول في محادثات بشأن تطبيع العلاقات. فقد تقبلت إدارة بوش أن كوريا الشمالية تشكل قوة نووية وأن أي قوى خارجية لا تستطيع أن تغير هذا الواقع. وعلى هذا فقد بادرت الولايات المتحدة إلى تغيير موقفها الدبلوماسي، من الموقف الياباني المتشدد إلى الموقف الصيني الأكثر مرونة والمدفوع بالرغبة في تحقيق الاستقرار.

الحقيقة أن هذا التحول مفهوم. فنظراً لتورط إدارة بوش عسكرياً في العراق وأفغانستان في ذات الوقت، فضلاً عن القدرات النووية الواضحة لدى كوريا الشمالية، أدركت الإدارة أنها لن تستطيع استخدام التهديد بالقوة العسكرية مع كيم بصورة مقنعة. لقد أزعجت العقوبات القيادات في كوريا الشمالية، ولكن ليس إلى الحد الكافي لإجبار هذه القيادات على التخلي تماماً عن برنامجها النووي، والذي يشكل الضمانة المطلقة لأمنهم.

فضلاً عن ذلك فإن استعداد كوريا الشمالية للتوصل إلى اتفاق يعكس أيضاً قرار الصين بالتدخل. فالصين ما زالت تشكل القوة الأجنبية الوحيدة التي تتمتع بقدر من السطوة على حكومة كيم. فبعد أن ازداد سخط المسؤولين الصينيين إزاء رفض كيم تخفيف التوتر الدولي، أعلنوا بوضوح رفضهم لتوفير الحماية أو دعم أهل النخبة في كوريا الشمالية إذا ما استمروا في دفع الولايات المتحدة نحو المواجهة. وحتى الصين غير قادرة على إجبار كيم على نزع كل أسلحته، إلا أنها قادرة على إقناعه بالدخول في مفاوضات مع الولايات المتحدة التي أصبحت أكثر مرونة الآن.

ونتيجة لهذا، اتفقت الولايات المتحدة وكوريا الشمالية على صفقة تختلف عن "إطار العمل المتفق عليه" الذي تم أثناء ولاية كلينتون. ويرجع هذا بصورة أساسية إلى سجل كوريا الشمالية في تنصلها من الاتفاقيات، فضلاً عن تحولها الآن إلى دولة تمتلك السلاح النووي. وبعد أن عادت إلى طاولة المفاوضات في موقف أكثر قوة، فإن كوريا الشمالية تأمل الآن في التوصل إلى تسوية تتلخص في تحرير الأصول المملوكة للقيادات وجلب منافع جديدة من شأنها أن تساعد في دعم قدرة النظام على البقاء لمدة أطول. وما دامت الصين تستخدم لغة قوية، وما دامت الولايات المتحدة مستعدة للتفاوض، فقد يصمد الاتفاق. ولكن ليس من المرجح أن يستمر هذان الموقفان الدبلوماسيان إلى ما لا نهاية.

في كل الأحوال فإن أياً من هذا لن يساعد إدارة بوش فيما يتصل بقضية إيران. ذلك أن أية قوة خارجية لا تحظى بأي سطوة على إيران كما هي الحال بين الصين وكوريا الشمالية. وحتى إذا ما عرضت الولايات المتحدة على إيران موقفاً أكثر استرضاءً، فليس من المرجح أن يصادق الكونجرس تحت قيادة الديمقراطيين على مثل هذه الخطوة. فمع الانتقادات الشديدة الموجهة إلى الديمقراطيين واتهام موقفهم من الحرب في العراق بالتفكك وعدم التماسك، فضلاً عن اتهامهم بالتراخي فيما يتصل بالتهديدات الأمنية، قرروا تشديد الضغوط على إيران، فاقترحوا عقوبات أوسع نطاقاً من تلك التي اقترحتها إدارة بوش.

على سبيل المثال، تقدم توم لانتوس رئيس لجنة الشئون الخارجية في الكونجرس بمشروع قانون يسمح بتوسيع نطاق نفاذ قانون الولايات المتحدة خارج أراضيها على الجهات المصدرة إلى حكومات أجنبية، إلى المؤسسات المالية، والمؤمنين، والمتعهدين، والضامنين. وهذا القانون من شأنه أن يمنع الشركات الأجنبية التابعة لشركات في الولايات المتحدة من استثمار أكثر من عشرين مليون دولار أميركي في قطاع الطاقة في إيران، فضلاً عن إلغاء سلطة الرئيس فيما يتصل بالتنازل عن هذه العقوبات. كما يصنف هذا القانون الحرس الثوري الإيراني باعتباره جماعة إرهابية، ويفرض المزيد من القيود على الصادرات إلى صناعة الطيران المدني في إيران.

فضلاً عن ذلك فقد بدأ الجمهوريون أيضاً في التحرك. فقد تقدمت النائبة إلينا روس ليختاين بمشروع قانون يلزم صناديق التقاعد التابعة لحكومة الولايات المتحدة، وصناديق التقاعد الخاصة، وصناديق التقاعد المشتركة التي تباع أو توزع في الولايات المتحدة بالامتناع عن التعامل مع الشركات التي تستثمر أكثر من عشرين مليون دولار في إيران.

أخيراً، وكما أن إيران لا تواجه الصين - القوة الخارجية ذات النفوذ في الداخل- فإن كوريا الشمالية لا تواجه إسرائيل، وهي الجارة التي تعتقد أن أمنها قد يعتمد على عمل عسكري وقائي. إن إسرائيل لا ترغب في مواجهة إيران دون دعم من الولايات المتحدة، ولسوف تستمر في الضغط على كل من الكونجرس ورئيس الولايات المتحدة بهدف تهديد إيران بكل السبل المتاحة لديها.

إن جاذبية العقوبات الموجهة ضد إيران واضحة: فالمقصود منها مساعدة الإدارة في تجنب العمل العسكري، الذي قد يخلق من المشاكل أكثر مما قد يحله. وهذا النوع من العقوبات يسمح للبيت الأبيض بأن يزعم أنه يسعى إلى إضعاف الزعامة الإيرانية وليس الشعب الإيراني. فضلاً عن ذلك فإن احتمالات فوز هذه العقوبات بالتأييد الدولي أوفر، مقارنة بالعقوبات التي تسعى إلى منع وصول الإمدادات الإيرانية من النفط والغاز إلى الأسواق الدولية.

إلا أن فرص نجاح العقوبات، سواء كانت موجهة أو غير ذلك، في تقويض الإجماع داخل إيران على تأيد البرنامج النووي، ضئيلة للغاية. فكما هي الحال مع كوريا الشمالية، يشكل امتلاك القدرة النووية في نظر الإيرانيين رمزاً قوياً لسيادة الدولة ومكانتها الدولية ـ والضمانة المطلقة لعدم إقدام الولايات المتحدة على تكرار ما فعلته في العراق مع إيران.

إن العقوبات تمنح صناع القرار والدبلوماسيين الكثير من الأمور التي يستطيعون مناقشتها. ولكن إذا لم يحدث تغيير جذري في السياسة الإيرانية الداخلية، فإن هذه العقوبات لن تفلح إلا في تأجيل الاختيار الصعب (والمتزايد احتمالاً) بين العمل العسكري وبين قبول إيران نووية.

إيان بريمر رئيس المجموعة الأوراسية الاستشارية المختصة بالمجازفة السياسية العالمية، ومؤلف كتاب "المحنى جيه: وسيلة جديدة لفهم أسباب نهوض الأمم وسقوطها".

خاص بـ"الغد" بالتنسيق مع بروجيكت سنديكيت

التعليق