إبراهيم غرايبة

العراق ومتاهة الديمقراطية والفوضى

تم نشره في الثلاثاء 10 نيسان / أبريل 2007. 02:00 صباحاً

يبدو الاحتلال الأميركي للعراق عندما تطالع كتاب "التحول الديمقراطي في العراق، المواريث التاريخية والأسس والمحددات الخارجية"، من تأليف د.عبد الوهاب حميد رشيد عودة بالعراق إلى الحرب العالمية الأولى عندما احتلته بريطانيا، ثم تفاعلت على أرضه وفي مجتمعاته تراكمات الفعل الحضاري والهزائم والصراعات السياسية والانقلابات العسكرية، وبدلا من أن يتجه نحو الاستقلال والتنمية فإنه يكرر الدوامة نفسها، بل ويزيد الاحتلال المشكلات تعقيدا، ويبعد العراق أكثر عن أهدافه الوطنية والإصلاحية.

كانت كل مرحلة من المراحل السياسية للدولة العراقية تشكل هدرا فكريا وإداريا وبشريا وماديا في مواجهة التنمية المجتمعية، وذلك نتيجة ما يرافقها من تصفيات وعزل وتهجير الكفاءات والخبرات وإحلال عناصر غير مدرية من منطلق الولاء قبل الكفاءة، وإلغاء الأفكار والخطط السابقة.

ومع نجاح الولايات المتحدة في احتلال البلاد يكون التاريخ العراقي الحديث قد كرر نفسه ولكن على نحو أسوأ مقارنة بفترة الحرب العالمية الأولى والاحتلال البريطاني للعراق، فقد قادت قرارات ممثل الاحتلال بإلغاء مؤسسات الدولة إلى فراغ أمني كامل في الساحة العراقية، بحيث وفرت دخول مختلف الشبكات الإجرامية عبر دول الجوار لممارسة النهب والحرق وتخريب مؤسسات الدولة، علاوة على مافيات المخدرات، وانتشار الفساد الخلقي والبغاء في ظروف الفوضى وغياب القانون.

ويرتبط بذلك أن الاحتلال قاد إلى الإضرار بالوحدة الوطنية في سياق فرض المحاصصة الطائفية كجزء من مخططه في تشجيع هذه الأشكال من الاصطفافات، إلى أن أخفقت التجربة الدستورية لإنشاء دولة حديثة عراقية تحت الاحتلال، وفشلت الدساتير الجمهورية المؤقتة، وعبرت عن فشل القوى العراقية في التوصل إلى توافقات وطنية عريضة تتناسب وتتناغم مع مشروع تحديث الدولة-المجتمع.

وتصاعد الدور الإيراني في الحياة السياسة والمجتمعية في العراق المحتل، بل أصبحت إيران أهم لاعب سياسي بعد الولايات المتحدة بفضل صلاتها بالحزبين الرئيسين، الدعوة والمجلس الأعلى، فهي ليس من مصلحتها مواجهة الولايات المتحدة الأميركية، بل التخلص من نظام شكل تهديدا لأمنها القومي، وهي ستعمل على عدم قيام نظام جديد معاد لها وإيجاد مواقع نفوذ في النظام الجديد، ولا غرابة إذا أصبحت إيران هي القوة الإقليمية الأبرز ومن دون منافس بعد غياب القوة العراقية.

وقد استثمرت الإدارة الأميركية انهيار مؤسسات الدولة العراقية، فاستولت على الأموال العراقية المجمدة التي تجاوز رصيدها 17 بليون دولار مضافا إليها الرصيد المتراكم للعراق من برنامج النفط مقابل الغذاء والبالغ 11 بليون دولار، واستولت قوات الاحتلال على الاحتياطات النقدية العراقية المقدرة بسبعة بلايين دولار.

لقد قدرت خسارة العراق من جراء الاحتلال بحدود 420 بليون دولار عدا الخسائر البشرية، بالرغم أن العراق يمتلك أكبر احتياطي من النفط الخام بعد السعودية وبواقع 11% من الاحتياطي النفطي المؤكد وجوده في العالم، وهي بيانات تؤكد أن آخر برميل نفط في العالم من المتوقع أن يكون مصدره العراق، لكن طريقة إدارة سلطة الاحتلال لنفط العراق تقتصر على هدف واضح هو تصدير أكبر كمية ممكنة من النفط، على رغم احتمالات خطورة ذلك على المكامن النفطية، وجمع إيراداتها تحت السيطرة، واستيراد كميات كبيرة من المنتجات النفطية إلى العراق لزيادة استنزاف موارده.

ولذلك فإن التحول الديمقراطي في العراق اتخذ مسارا أقرب إلى المتاهة، وغدا يتطلب شروطا أكثر صعوبة بعد الاحتلال، فالعراق اليوم حتى يستطيع النهوض يحتاج إلى حرية صنع القرار الوطني في ظل الاستقلال، والمشاركة في إطار الديمقراطية، والعدل في سياق التوزيع، والأمن في ظل قوة دفاعية متطورة، إن التنمية من دون استقلال مسألة عبثية لأن التنمية والاستعمار لا يجتمعان، ولا بد من تهيئة البنية السياسية والاقتصادية والاجتماعية اللازمة لمسيرة التنمية، ويرتبط بذلك الحريات العامة وحقوق الإنسان وتوزيع الاستثمارات بشكل متناسب لصالح القطاعات والمناطق والفئات الأكثر فقرا.

ibrahim.gharaibeh@alghad.jo

التعليق