إبراهيم غرايبة

حمود الموسى

تم نشره في الجمعة 6 نيسان / أبريل 2007. 03:00 صباحاً

هل يحق لي أن أكتب عن "ابن صفي في المدرسة" حمود محمد الموسى الغرايبة والذي توفي قبل يومين في حادث سير؟ ولكن حمود ليس كذلك فقط، فهذا الشاب كان يعمل سائقا لسيارة إسعاف في وزارة الصحة، ويعول أسرة كبيرة يدرس أفرادها في الجامعات والمدارس، وكان يؤجل تقاعده لعام آخر لأنه كان يتوقع أن يسافر مع بعثة الحج الأردنية في العام القادم، هذا الرجل الذي أسعف المئات في حياته المهنية لم يستطع أن يسعف نفسه ولا أن يمنع سيارة منحدرة على ذلك الجبل الذي يتعجب المرء كيف يمكن أن تسير عليه سيارات أو بشر أو كائنات حية لتقابله وهو يصعد الجبل في نقطة يتعذر فيها على السائقين رؤية مسار الطريق لأكثر من عدة سنتيميترات وربما مليمترات، هذه الطريق التي فتحها الأهالي قبل أكثر من ثلاثين سنة في الجبل على حسابهم الخاص ووفق تقديرهم وخبراتهم لم تجدها وزارة الأشغال فيما بعد بحاجة إلى تعديل أو إعادة تصميم.

لم يشأ أحد أن يسأل: لماذا نحن مجبرون على سلوك هذا الطريق، وثمة بدائل أكثر سهولة وأقل تكلفة وبخاصة أن وزارة الأشغال قد وسعت الطريق وأنفقت مبالغ كافية لصيانتها وتعبيدها، ولن يزيد شيئا في هذه التكاليف تعديل مسار الطريق، وهو أمر يدركه أي شخص عادي من دون أن يكون مهندسا، ويستطيع أيضا أن يستنتج بسهولة أن مسار الطريق فرضته ضرورات التوفير والتقشف وضعف الإمكانيات لبلدة يعمل أهلها في الزراعة ووجدوا حاجة في أوائل السبعينيات لفتح طريق زراعي يساعدهم في أعمالهم الزراعية، وربما، وهذا المرجح لدي، كان ذلك اختيار سائق الجرافة الذي اتفق معه الأهالي على فتح الطريق.

لكن بعد سنوات طويلة عندما وضعت وزارة الأشغال يدها على الطريق، وقامت بتوسعتها وتعبيدها، لماذا لم يتساءل المهندسون والناس: وهل نحن ملزمون باختيار وتفكير سائق جرافة قبل ثلاثين سنة، كم ساهم سائقو الجرافات في صياغة حياتنا ومصائرنا؟ ثمة سؤال منطقي من يخطط لحياتنا واختياراتنا في هذا البلد الذي يضج بالجامعيين والمهنيين والأكاديميين والقادة والنواب والأعيان والوزراء؟

هل كانت مسؤولية سائق الجرافة وحده اليوم غياب عائل أسرة كان يدبر بعرقه وعمله الإضافي بعد الدوام أقساط البيت الذي يقيم فيه وأقساط الجامعات وتكاليف الحياة والتعليم وأكثر من ذلك وأشد لوعة الحزن والغياب الأبدي على والدة وأبناء وإخوة وأخوات وخالات، وباكية تهيج البواكي؟!

حمود لم يكن فقط رب أسرة مثاليا متفانيا في خدمتها وتنشئتها على نحو تحتاج المؤسسات الرسمية أن تبذل أضعاف جهده ووقته وموارده لتقوم بما يقوم به، لكنه عضو فاعل في مجتمعه المحيط، وإنسان صالح كان يشارك أصدقاءه وأبناء بلدته أعمالهم وشؤونهم، وكان يحترمه ويحبه كل من يعرفه من زملائه وأقاربه ورفاقه، وهو أيضا الأخ الأكبر لإخوانه واخواته الثماني، هذه الوحشة العميقة لأسر وأقارب وأصدقاء والخسارة الكبيرة للأنفس والذكريات والحياة والإنجازت والآمال تجيء بها لحظة من خطأ في طريق فرضه على الناس شخص غير مؤهل، وخطأ في السلوك والثقافة المنظمة لحياتنا.

أعلم بالطبع أن ثمة مئات وحولهم آلاف من المفجوعين والمصابين للسبب نفسه وفي الحالات الشبيهة، وقبل يوم واحد من وفاة حمود فوجئ سائق حافلة سياحية من بلدته بسيارة تخرج عليه من الضباب وتقتحم مساره وبسرعة تزيد على المائة كيلومتر في الساعة ليموت على الفور ثلاثة مواطنين ويصاب ثلاثة آخرون، وربما يحمد كثيرون الله أن الحافلة كانت تخلو من السياح لننجو من أزمة كبيرة ستشغل العالم كله زمنا طويلا وتنسيه العراق وأفغانستان وفلسطين وأفريقيا والصومال!

هل نحتاج أن يموت أو يصاب سائح على طرقنا وشوارعنا لنفطن إلى الكوارث المرعبة التي تحيط بنا وتهددنا في كل لحظة؟!

ibrahim.gharaibeh@alghad.jo

التعليق