أين الاعتدال وأين التطرف؟!

تم نشره في الخميس 5 نيسان / أبريل 2007. 03:00 صباحاً

انقسمت الدول العربية الى دول معتدلة واخرى متطرفة دون أن يُعرف بالتحديد ما هو التطرف وما هو الاعتدال، وظاهرة التقسيم هذه ليست جديدة، لا في بلاد العرب ولا في غيرها، ولا بين الدول ولا في اطار الدولة الواحدة ذاتها.

كنا نعتقد، وظل الاعتقاد ماثلا لعقود متلاحقة قبل ان يتلاشى، ان في المؤسسة السياسية الاسرائيلية معتدلين ومتطرفين، او صقورا وحمائم، وكان الاعتقاد ان حزب العمل يمثل الاعتدال بينما الاحزاب الاخرى متشددة، اتخذت من لافتة الليكود رمزا لها، واصبح يشار اليها كذلك.

وفي اكثر دول العالم الديمقراطية نجد احزابا محافظة، او متشددة، او حتى متطرفة في منحى ما من مناحي برامجها وسياساتها، واخرى ليبرالية التوجه، وقد عرف عن الاحزاب الاشتراكية انها اكثر ميلا لبعض انواع الليبرالية، وينطبق هذا الى حد كبير على الدول الاوروبية, اميركا مقسومة الى جمهوريين وديمقراطيين، وليس لأي من التسميتين دلالات واضحة على ما له علاقة بالتشدد او الاعتدال، فتلك صفة تتفاوت من حين لآخر، كما انها تعتمد على شخص الرئيس ومن حوله.

وفي بريطانيا يتبادل الحكم حزبا المحافظين والعمال، وان كان بينهما حزب صغير آخر "الحزب الليبرالي" سابقا، والذي تحول الى الحزب "الاشتراكي الديمقراطي"، ومع ان المفروض ان حزب المحافظين هو الحزب "المحافظ" بالمقارنة مع اشتراكية وليبرالية حزب العمال الا ان تلك ليست قاعدة ثابتة؛ فسياسة الحكومة العمالية الحالية برئاسة توني بلير هي الاكثر تشددا خاصة في القضايا المتعلقة بمنطقتنا وقضايانا.

بالعودة للساحة العربية نجد اننا بدأنا نسمع بانقسام الوطن العربي الى "معتدلين" و"متطرفين"، وقد تم التصنيف في فترة ما على اساس ان كل دول مجلس التعاون الخليجي الست بالاضافة لمصر والاردن هي التي تمثل محور الاعتدال او "القوس السني"، كما اشار اليها توني بلير ذات مرة، مقابل "الهلال الشيعي" الذي يبدأ بإيران ويمر عبر سورية "السنية" الى حزب الله في لبنان وحماس في فلسطين.

ثم تقلص نادي "المعتدلين" ليقتصر على اربع دول هي الاردن ومصر والمملكة العربية السعودية ودولة الامارات العربية المتحدة.

لنضع جانبا المعاني الخطيرة لمثل هذه التقسيمات كونها في الاساس احدى نتائج الفرز الطائفي المفروض على هذه المنطقة وشعوبها.. وهي منطقة اجتازت ظروفا اخطر، ومرت بأزمات اكبر دون ان تسمح لمحاولات التقسيم الطائفي ان تخترق فكرها وسياساتها ومجتمعاتها، لنضع ذلك جانبا ونتنبه الى التسريبات الابلغ جسامة وخطورة؛ التسريبات التي اخذت تتحدث عن اضافة اسرائيل الى نادي المعتدلين، تارة اضافة اسرائيل الى نادي المعتدلين الاوسع اي كل دول الخليج مع مصر والاردن، وتارة اخرى الى النادي المصغر: الدول الاربع.

لست بحاجة لابراز السلبيات الخطيرة لدعوات مشبوهة تضع اسرائيل في جانب عربي ضد جانب عربي او اسلامي آخر، ولنقل ان فظاعة الفكرة هي التي ساهمت في اسقاطها منذ البداية.

لكن، اذا كان الذي سقط هو زجّ اسرائيل في هذه التقسيمات المبتدعة، فلم تسقط فكرة التقسيم ذاتها، وعندما نتساءل من هو المعتدل ومن هو المتطرف؟ او عندما نحاول تعريف الاعتدال، او تعريف التطرف، فإننا نصطدم بعقبات اشد من تلك التي واجهتها محاولات متواصلة لتعريف "الارهاب".

المشكلة ان التعاريف التي هبطت علينا من خارج المنطقة وصنفتنا الى متطرف او معتدل اتخذت من العلاقة مع اسرائيل معياراً. فالمعتدل هو في الحقيقة المتساهل، بينما المتطرف هو الذي يطالب بحقوقه، وفي الحقيقة يطالب ببعض حقوقه.

المفروض ان حماس وهي حركة مقاومة، لكنها فازت بانتخابات نيابية فلسطينية حرة ونزيهة، ما أكسبها شرعية تشكيل حكومة، هي امتداد لمعسكر التطرف "الشيعي" (!) وهي حركة سنية في أكثريتها العظمى، بحسب التعريفات والتصنيفات المشار اليها اعلاه، لكن حماس ملتزمة بهدنة منذ اكثر من سنتين بالتحديد منذ انتخاب محمود عباس لرئاسة السلطة الوطنية الفلسطينية - فهي اذن لا تمارس العنف الذي لم تتوقف اسرائيل عن ممارسته لحظة واحدة، وفي مؤتمر القمة العربية الاخير اعلنت حماس قبولها بدولة فلسطينية في حدود الرابع من حزيران عام 1967، اين التطرف في قبول تسوية تتنازل لاسرائيل عن 87 في المائة من ارض فلسطين التاريخية وتبقي للفلسطينيين اقل من خمس فلسطين؟!

وكيف يمكن ان تصنف سورية في خانة التطرف وارضها تحت الاحتلال منذ اكثر من اربعين سنة، لا توجد مقاومة في هضبة الجولان السورية ولا ارهاب، بل فيها منتجعات سياحية ومستوطنات وبساتين ومصانع للنبيذ من عنب سورية وفيها امان وسلام لكل محتل ومعتد؟! كيف يصنف صاحب الحق بأنه متطرف بينما ترشح اسرائيل للانضمام لمعسكر المعتدلين والاعتدال.

لا حاجة للامثلة الاخرى وهي كثيرة، فالامور اوضح من الوضوح.

كل ما هو مطلوب ان نتنبه لخطر هذه المظاهر والدعوات، وان يحافظ على الاطار الاوسع: الجامعة العربية التي جمعتنا وحددت هويتنا على مدى ستة عقود، وستظل الوعاء الاسلم والاشمل لتحديد معالم الاسرة العربية والعمل العربي.

قد تكون الجامعة العربية عاجزة، ولذلك ما يفسره فهي حصيلة ارادة اعضائها، وقد تكون الجامعة العربية مقصرة ولذلك ما يفسره ايضا، لكن الجامعة تظل هي الهوية التي لا تصح تجزئتها.

فلا يمكن ان تكون المطالبة بالحقوق تطرفا، ولا التساهل بشأنها اعتدالا، فلنحذر شر مثل هذه البدع.

سفير الأردن السابق في الأمم المتحدة

التعليق