إبراهيم غرايبة

حرب النجوم في الفضائيات

تم نشره في الأربعاء 4 نيسان / أبريل 2007. 03:00 صباحاً

يلجأ مقدمو البرامج التلفزيونية من الإعلاميين والدعاة إلى حشد جمهور من الشباب وبعض المثقفين والصحافيين في المقدمة على نحو يبدو وكأن البرنامج جماهيري وتفاعلي، ولكنها في الواقع برامج "one man show" يكون المقدم نفسه هو هدف المخرج والكاميرات، والمتحدث الرئيس وشبه الدائم والمعلق على كل فكرة أو عبارة، ويستعرض أمام الكاميرا معلقا ومصححا ومعقبا ومقدما ومختتما، وقد يحظى الضيوف الرئيسيون بدقيقة واحدة، وأما الجمهور الذي تحشده باصات معدة فيكفيه دخول القاعة والمشاركة في صورة جماعية.

صحيح أن الجمهور والضيوف حضروا بإرادتهم وربما يكونون سعداء بالمشاركة، وقد ينالون مكافأة مالية مقابل مشاركتهم، ولكنها في الحقيقة عملية تنطوي على اعتداء كبير على كرامة الناس والذوق العام، ولا تختلف عن مشاهد الفيديو كليب، فهي لا تتضمن حوارا حقيقيا ولا مشاركة فعلية، وليست أكثر من عمليات صيانة وتجميل للنجوم من مقدمي البرنامج، والذين يغلب عليهم حالة من الانشغال بالصورة والاستغراق فيها تحتاج إلى تدخل علاجي، ولا تمتنع مقدمة شبه أمية تحولت إلى نجمة عن القول بأنها ضيفة برامجها.

من حق مقدمي ومقدمات البرامج التلفزيونية أن يعتقدوا أنهم أنصاف آلهة أو مبعوثو العناية الإلهية لتعليم الناس، فهذا اعتقاد ربما يصعب إقناع أصحابه بالتخلي عنه بقدر ما يصعب إقناع نزلاء مستشفيات الأمراض النفسية والعقلية بأنهم ليسوا أنبياء، ولكن من حق الناس ألا تتحول أجهزة التلفاز في بيوتهم إلى مصدر للبذاءة المتسترة بالثقافة والدعوة والسياسة، وحتى البرامج الحوارية التي تستضيف شخصا واحدا أو اثنين تتحول في الحقيقة إلى محاضرة وتوجيهات وتعليقات لمقدم البرنامج، ويخضع الضيف لعمليات توجيه واستفزاز تجعله يبدو مثل تلميذ في حضرة المعلم الكبير، ويشارك المخرجون والمصورون في اللعبة، فتكاد تقتصر الكاميرا على المقدم وليس على الضيف، بل ويتكرم علينا المخرج بصورة مكبرة لمقدم أو مقدمة البرنامج تجعل وجهه يغطي الشاشة، لنراقب في خشوع تعابير وجهه وعيونه ودموعه وابتسامته الرقيقة الصافية. وعندما تتوصل التقنية غدا إلى بث الروائح مع الصور فسوف يكون بمقدور الناس الاستمتاع والاستغراق بروائح العطور والعرق المبارك والجوارب للأولياء الجدد ونجوم الفكر والثقافة الذين ظلمتهم الجامعات، أو تعرضوا قبل أن تكتشفهم الفضائيات لمؤامرات من التعتيم.

ليس لدي دليل على صحة أو خطأ ما ينشر في وسائل الإعلام حول العلاقات المشبوهة بالرشوة والانحراف والمشاركة التجارية مع البرامج والمقدمين، ولكنها مقالات ودراسات وكتب وأخبار على قدر من الضخامة، وبعضها علمي ومنطقي ويتمتع بمصداقية وأهمية، ولكننا نحتاج إلى حالة متواصلة من الشك والسؤال لنظل قادرين على التقييم ولنحافظ على قدر معقول من الثراء الروحي والفكري وحماية أنفسنا من الخواء والجهالة.

ويستطيع اليوم من يشاء أن يجري عملية بحث بسيطة في محركات البحث، ويكتب بالعربية في مربع البحث عبارات من قبيل، مقدمو البرامج، والفضائيات، وأسماء من يتذكرهم من مقدمي البرامج ونجوم التلفزيون ليطلع على قدر الإسفاف والظلم والتضليل الذي نتعرض له باسم الدين والدعوة والحوار والتوك شو، فما يجري في الحقيقة عمليات استثمار واسعة في الشعوذة والغرائز الدينية والسياسية، والاعتقاد بأن الصورة تنشئ الواقع، وإذا كانت الصورة تخضع للرغبات فإنه يجري إنشاء واقع يبدأ افتراضيا يتحول وهما وفي الأذهان إلى حقيقة، هذا الواقع الافتراضي القائم على الهوس بالذات والاستغراق فيها يفسر البرامج والحوارات في الدين والسياسة والإعلام القائمة اليوم والتي تفرض على المشاهد العربي ليجد نفسه في الحقيقة ليس في سوق قائم على العرض والطلب، كما يوهمنا البعض مع التحفظ أيضا على هذا المبدأ، ولكنه سوق قائم على صنع اتجاهات الناس ورغباتهم وفق أهواء مريضة إلى درجة تجعلنا مهددين بأن نجد في يوم من الأيام حول أجهزة التلفاز بحيرات من القيح والقيء والغثاء ولكنها ويا للهول تبدو مغرية بالغوص فيها.

ibrahim.gharaibeh@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »مقال ساخر من الواقع التلفزيوني (أبو محجوب)

    الأربعاء 4 نيسان / أبريل 2007.
    نعم..تصدق أن كلامك هذا صادر من إحساسي أنا أيضا..كلامك واضح ..وبصراحة نشكر الله تعالى الذي منحك القوة في النقد للواقع..ولكن لكل الأمور سلبياتها وإيجابياتها أستاذ إبراهيم ..وشكر
  • »مقال ممتع وشكرا (نهاد اسماعيل)

    الأربعاء 4 نيسان / أبريل 2007.
    استاذ ابراهيم لم اتمالك نفسي من الضحك على تشخيصك الدقيق لمحتكرين الشاشات التلفزيونية الفضائية. المشاهد يمتلك حق الفيتو من خلال الريموت ويستطيع ان يحلق عالناشف لأي مقدم لا يعجبه بأقل من ثانية زمنية والله يعطيك العافية.