منار الرشواني

المعرفة المبتسرة!

تم نشره في الثلاثاء 3 نيسان / أبريل 2007. 03:00 صباحاً

قبل سنوات، "سوّلت" لي نفسي "الأمّارة بالسوء" أن أقترح على مدير أحد مراكز الدراسات المبادرة إلى إصدار ترجمة عربية لبعض الأدبيات السياسية العبرية التي تهم القارئ العربي. لكنني اكتشفت أن اقتراحي يضعني مباشرة في خانة من يودون تشويش عقل الإنسان العربي وتسميمه، بل وحتى تدميره، وفقاً للرد السريع والحازم من صاحب القرار المذكور!

وكما يبدو واضحاً، لم يكن اقتراحي فتحاً لا سابقة له، إذ هنالك "مدسوسون" أو "خونة"، وفي أحسن الظروف "سذّج"، سبقوا لا إلى مجرد الاقتراح، بل وقطعوا شوطاً في تنفيذ جريمة تسميم العقل العربي، ولو تحت العنوان الحكمة "اعرف عدوك". وإذ كنت أعرف ذلك، فإن ما كان مدهشا بالفعل، حد الصاعقة، اكتشافي كم أننا أمة سهلة الاختراق، بحيث تكون ترجمة بعض مما يفترض فيه الإسهام في فهم عقلية عدونا واستراتيجيته، عاملاً حاسماً –من وجهة نظر محاججي طبعاً- في صهينة الإنسان العربي! وقبل ذلك، كيف أن المثقفين العرب، القائمين منهم خصوصاً على المؤسسات البحثية والثقافية العربية، عاجزون عن انتقاء ما يقدمونه للقارئ العربي، فيساهمون وفق كل الحالات والظروف في عملية تهويده وإلحاقه بالعدو!

ما ينطبق على العدو الإسرائيلي، الذي يخوض العرب في مواجهته "صراع وجود لا صراع حدود"، ينطبق على الولايات المتحدة، فالأكثرية العظمى مما يكتب ويترجم عن الولايات المتحدة، ينطبق ذلك على المستوى السياسي كما الاجتماعي والثقافي، يقع دائماً في خانة الانتقاد والذم، وفي تسطيح مخل حد التجهيل، في عدد غير قليل من الحالات، عبر تصوير بلد الخمسين ولاية باعتباره مجتمعاً مثالياً في تجانسه واتساق فكره درجة لم يشهد لها التاريخ نظيراً من قبل! مع أنه بالاستناد إلى المقاييس العربية تحديدا، يصح اعتبار الولايات الأميركية خمسين دولة ومجتمعا أو أكثر، إن لم يكن بالمفهوم الجغرافي، فبالمعايير الثقافية والعرقية وغيرها شديدة التنوع في المجتمع الأميركي! ويكفي مثلاً هنا أن من يفترض بهم أن يكونوا جميعاً، وبلا استثناء، "مسيحيين أميركيين صهاينة" مؤيدين لإسرائيل ومعادين للعرب، قد أخرجوا شخصاً كالرئيس الأسبق جيمي كارتر، مدافعاً عن العرب ومنتقداً جريئاً لإسرائيل!

وليس المطلوب في مواجهة أدبيات الذم، وحتى الشتم، أدبيات مديح وإطراء بأي حال من الأحوال، لأن النتيجة ستظل واحدة في ظل هكذا معطيات، وهي معرفة مشوهة مبتسرة، محصلتها النهائية جهل يفضي إلى العجز عن التعاطي الإيجابي الذي يخدم القضايا العربية الوطنية، وصولاً إلى الانتحار الجماعي.

ربما أن العرب في حالة حرب تمنعهم من التفكير بصورة مثالية تجاه الولايات المتحدة خصوصاً، ناهيك عن إسرائيل، لكن الثقافة المبتسرة والمشوهة تبدو حتى على مستوى آخر مختلف كلياً؛ وليس من نموذج أوضح لذلك من "الليبرالية الجديدة" (Neo-liberalism) التي تطبق مقولاتها في كثير من الدول العربية، وغيرها من دول العالم، تحت مسمى "الإصلاح الاقتصادي" الذي يشرف عليه صندوق النقد الدولي والبنك الدولي.

فالمكتبة العربية، على صغرها طبعاً، تغص بالكتب العربية أو المترجمة التي تتحدث عن "الليبرالية المتوحشة"، وعن الكوارث التي جلبتها وستجبلها إلى العالم الثالث بشكل عام، من فقر وبطالة وانتهاك سيادة. في المقابل، يبدو شبه مستحيل العثور على كتاب، ولو باللغة الإنجليزية، لأحد منظري الليبرالية الجديدة، أمثال ميلتون فريدمان أو فريدريك هايك، ناهيك عن اسلافهم من قبيل ديفيد ريكاردو أو هيربرت سبنسر أو توماس مالتوس.

لكن كيف يمكن مواجهة السياسة الاقتصادية والاجتماعية السائدة عالمياً من دون فهم أسسها الحقيقية كما حددها منظروها الأوائل والمحدثون؟!

كتب جون كينيث جالبريث يوماً: "ثلاثة يمكن الاقتباس منها من دون قراءتها: الإنجيل، وثروة الأمم لآدم سميث، ورأس المال لماركس"، لكن يبدو أن من الممكن في العالم العربي الاقتباس من أي مدرسة أو فكر من دون قراءة مصادرهما الأصلية، فهكذا أيدنا الماركسية وعارضناها، وهكذا نؤيد الليبرالية الجديدة ونعارضها... نقرأ عنها، كما كتب مؤيدوها أو معارضوها، ولا نقرأ لمنظريها!

manar.rashwani@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »Your enemy’s language is your first weapon (anonymous)

    الثلاثاء 3 نيسان / أبريل 2007.
    “Your enemy’s language is your first weapon”
    بالفعل، قراءة الكتب الاسرائيلية و الامريكية ستساعدنا على فهم ال lingua de franca التي يتعامل بها العالم الغربي، و ذلك سيتيح لنا تقديم قضايانا بمنظور اكثر فاعلية.
  • »كيف يمكن ؟! (عماد المارديني)

    الثلاثاء 3 نيسان / أبريل 2007.
    أشكر الإخ والصديق منار على وضوح الطرح والتحليل .
    لكني أعتقد أن الإجابة على التساؤل الرئيسي "كيف يمكن مواجهة السياسة الاقتصادية والاجتماعية السائدة عالمياً من دون فهم أسسها الحقيقية كما حددها منظروها الأوائل والمحدثون؟!" بحاجه الى تخصيص دراسة مسثقلة من قبلكم لأثراء فكرنا ومعلوماتنا تتسم بالموضوعية والحيادية كعهدنا بكم.