إبراهيم غرايبة

البلديات والحكم والتنمية

تم نشره في الثلاثاء 3 نيسان / أبريل 2007. 03:00 صباحاً

كيف ستكون الانتخابات البلدية موضع إقبال كبير وتنافس إذا كان دورها محدودا ومهمشا؟

تحتاج البلديات، أولا، أن تتحول إلى حكم محلي حقيقي، يكون فيه المجلس البلدي أقرب إلى حكومة تدير الخدمات الأساسية، من تعليم ورعاية صحية واجتماعية وأمن ومياه وكهرباء وإسكان، وألا يقتصر دورها على أعمال النظافة وتنظيم الشوارع، وأن يكون لها مواردها الخاصة ومخصصاتها الكافية من المركز، وأن يكون في كل بلدية ناد رياضي ثقافي واحد على الأقل، ومكتبة عامة لكل خمسة آلاف مواطن، وحديقة عامة ومتنره وساحة للأهالي والأطفال آمنة، ومدرسة أساسية تكون في قلب أو بجوار كل حي أو تجمع سكني يصل إلى ألف مواطن، وأن يكون لكل بلدة إذاعة محلية وصحيفة وموقع على الإنترنت، تكون ساحة إعلامية للمجتمع للحوار والرقابة المجتمعية وتقديم الخدمات والمعلومات.

كما يجب أن تنشئ كل بلدة، مع الزمن، طابعا اقتصاديا واجتماعيا ومعماريا خاصا بها، فتنشئ حول مواردها الطبيعية والممكنة، في الزراعة والسياحة والصناعة والمهن والخدمات، مجتمعات وروابط مهنية وتجمعات استثمارية واقتصادية وتنظيمية، تجعل من هذه الموارد معنى حقيقيا لوجودها، ومبررا لنموها واستمرارها، ولا تكون مجرد تجمعات سكانية عشوائية جاءت بالمصادفة، أو تعيش على بقايا مرحلة تاريخية انقرضت، ثم بقيت لأنه لم يعد فرصة أمام أبنائها، الذين يعمل معظمهم في المراكز البعيدة عنها، للعيش والتجمع إلا في هذه البقعة من الأرض التي تكاد تخلو من المعنى.

بالطبع سوف تكون التجربة في بدايتها عرضة للفشل والفساد، وتحولها عن فلسفتها ومضمونها الأساس، لكن الدور التنسيقي والتمويلي للحكومة يمكن أن يطور العمل باتجاه إعادة تنظيم المجتمعات وفق مصالحها واحتياجاتها، ويمكن أن ينشئ مع الزمن موارد واستثمارات محلية حقيقية يتجمع حولها السكان أو تجذب الناس إليها، ويمكن أن تكون الخطوة الأولى في السؤال الذي يجب أن يطرح على كل المستويات: كيف يتحول المواطن من زبون إلى شريك؟

كانت المدن والبلدات، بالفعل، تمثل مجتمعا متكاملا وحقيقيا يدير مؤسساته وموارده، وكان دور الدولة في البداية شريكا، لكن مع سيادة نموذج دولة الرفاه ونمو موارد الدولة، وفي الوقت نفسه ضعف موارد المجتمعات؛ ومع التحولات الاقتصادية التي عصفت بالاقتصاد الزراعي والحرفي، بدأت الدولة، وبدوافع من التنمية والتطوير، تدير المؤسسات والمرافق والخدمات التي كانت تديرها البلديات والمجتمعات، لكنها في الحقيقة، بعد عقود من الزمن، كانت قد أضعفت المجتمعات والبلديات، وعزلت المواطنين عن خطط التنمية والحكم، وأودت بالخبرات المجتمعية وفرص المشاركة والديمقراطية الممكن تحقيقها.

وبانتهاء موجة دولة الرفاه، والتحول إلى الخصخصة، يفترض أن يعود للمجتمعات والبلديات دورها السابق، وأن تتحول إلى شريك للحكومة والقطاع الخاص في الحكم والمسؤولية وتوازن الموارد والسلطات. فالخصخصة، في حقيقتها، تعبير عن فلسفة مسؤولية الناس عن أنفسهم، وضرورة حمايتهم من السلطة ومن بعضهم أيضا، ولا يمكن أن ينجح ذلك إلا في بيئة من المجتمعات الأهلية والمدنية القوية والحقيقية والقادرة على تنظيم مصالح الناس واحتياجاتهم، وفي وجود تجمعات سكانية مرتبطة بالفعل بالمكان والمصالح والأعمال، وليست مجرد تجمعات قائمة على الإيواء بمفهوم المصادفة والعشوائية والحد الأدنى.

الانتخابات البلدية فرصة لإعادة الحوار والنقاش حول جدواها ودورها وفلسفتها وموقع المواطن فيها، وتنطيم علاقة الناس بالمكان والمصالح والأعمال والعلاقات والروابط العامة والاجتماعية والفكرية والمهنية، وتطوير الانتماء والمشاركة إلى حالة من الإدارة المجتمعية والحكم تقدم إلى المجتمع والدولة أفضل القادة والأحزاب والتجمعات، وتنشئ حراكا اجتماعيا وسياسيا قابلا للتكيف والتجديد والتفاعل مع احتياحات الناس وتطورها وتغيرها، ويحمينا -وهذا ليس مبالغة- من الانقراض أو العودة إلى حالة جديدة من البدائية.

ibrahim.gharaibeh@alghad.jo

التعليق