أيمن الصفدي

موقف أميركي مخيب

تم نشره في الاثنين 19 آذار / مارس 2007. 02:00 صباحاً

برنامج حكومة الوحدة الفلسطينية لبّى، عملياً، كل شروط الرباعية الدولية. الحكومة اعترفت، ضمنياً، بإسرائيل، التزمت المفاوضاتِ طريقاً لحل الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، وأعلنت احترام كل الاتفاقات الموقعة.

الحكومة فوّضت الرئيس محمود عباس إدارة المفاوضات مع إسرائيل. عباس يعترف بإسرائيل وملتزم جميعَ الاتفاقات الموقعة. حماس فعلت كل ما طالبها المجتمع الدولي به رغم التغليفات اللغوية التي تحفظ ماء الوجه وتحول دون اعتبار اتفاق فتح-حماس، الذي أدى إلى تشكيل الحكومة، تحولاً جذرياً في موقف حركة المقاومة الإسلامية.

بيان الحكومة لم يشر إلى المقاومة العسكرية. جعل قيام دولة فلسطينية مستقلة على الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ العام 1967 سقفاً للمطالب الفلسطينية. لا دعوات فيه إلى فلسطين من البحر إلى النهر. ولا رفض للوجود الإسرائيلي.

من يريد السلام يرى في برنامج الحكومة الفلسطينية تحولاً تاريخياً في موقف حماس وأرضية لإطلاق مفاوضات جادة تنهي الصراع على أساس قيام دولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل. لكن يستطيع من لا يريد السلام أن يجد عيوباً في برنامج الحكومة وأن يوظف عدم مباشرة اعتراف حماس بإسرائيل لإحباط الجهود المستهدفة إعادة إحياء العملية السلمية.

إسرائيل لا تريد السلام. رفضها التعامل مع الحكومة الفلسطينية دليل جديد على ذلك. كل ما تفعله إسرائيل هو البحث عن ذرائع تخفي خلفها عدوانيتها وعدم رغبتها إيجاد حل دائم للصراع.

رفضت إسرائيل التعامل مع الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات رغم اعترافه بها وبحقها في الوجود وتقديمه تنازلات تاريخية وموجعة من أجل السلام. ولم تقم إسرائيل بخطوة واحدة نحو استئناف العملية السلمية حين كان عباس رئيساً لسلطة فلسطينية لا تمثيل لحماس فيها. إسرائيل تروّج أن لا شريك فلسطينياً في عملية السلام لأنها لا تريد وجود هذا الشريك.

تدرك إسرائيل أن هنالك زخماً دولياً لحل الصراع العربي-الإسرائيلي الآن. وتعرف تماماً أن مفاوضات جدية ستكشف تعنتها وستظهر حقيقة أنها المسؤولة عن استمرار التوتر في المنطقة. لذلك ترفض إسرائيل بدء المفاوضات. التشكيك بأهلية الحكومة الفلسطينية وجدية جنوحها نحو السلام أسهل سبيل لمنع استئناف المفاوضات.

الموقف الإسرائيلي ليس مفاجئاً. لكن المخيب هو الموقف الأميركي. الإدارة الأميركية أعلنت رفضها التعامل مع الحكومة الجديدة. معنى ذلك أن الحصار على الشعب الفلسطيني سيستمر وأن المعاناة ستطول وأن التوتر سيبقى عائقاً أمام عملية سلمية حقيقية.

قدمت حماس تنازلات كبيرة. كان الأحرى بواشنطن أن تشجع التوجه الجديد لحماس. فالتفاعل الإيجابي هو خير وسيلة لتعظيم الأرض المشتركة بين حماس والمجتمع الدولي. لكن قصر النظر يسود مرة أخرى. أثبتت واشنطن مجدداً أن سياساتها نحو المنطقة ما تزال أسيرة عنجهية إسرائيلية ضيقة وعدائية وغير آبهة بخلق شرق أوسط جديد مبني على العدالة والتعاون لا التوتر والاحتلال. تلك إشارة أميركية شديدة السلبية في وقت ساده بعض أمل أن واشنطن تعلمت من دروس ماضٍ مقيت وأنها ستسلك طريق الاستقرار بدلاً من منحدرات الفوضى التي تدفع سياساتُها المنطقةَ إلى قيعانها.

التعليق