الإصلاح واقتصاد السوق في أوروبا

تم نشره في الاثنين 19 آذار / مارس 2007. 03:00 صباحاً

قبل عام مضى بدت أوروبا الوسطى كمثل يحتذي به الآخرون. أما اليوم فإنها منطقة تتسم بالتعصب المتنامي وعدم الاستقرار السياسي. البعض يلوم الإصلاحات الليبرالية، زاعمين بأن الرأسمالية ركزت أموالاً كثيرة وسلطاناً في أيادٍ قليلة.

أما الحقيقة فهي أن الإصلاحات لم تذهب إلى الأبعاد الكافية. فقطاع الأعمال ما يزال يرزح تحت وطأة أنظمة مبالغ فيها والحكومات تنفق أموالاً كثيرة. هذا يشعل موجة الفساد وعدم الرضا الشعبي بالنسبة للعملية الديمقراطية.

وبشكل عام فإن أوروبا الشرقية تمثل قصة نجاح. جمهورية التشيك وسلوفاكيا وهنغاريا وبولندا تنتهج ديمقراطيات السوق الحرة. وبينما كانت تلك الدول سابقاً جزءاً من حلف وارسو، فإنهم الآن أصبحوا أعضاء في حلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي. شعوب أوروبا الوسطى يحصلون الآن على مداخيل أعلى ويعيشون حياة أطول ويلتحقون بالمدارس أكثر من أي وقت مضى. ومع ذلك فإن الليبرالية، وهي فلسفة الحرية السياسية والمدنية والاقتصادية التي كانت الأداة في تحقيق تلك المكاسب، هي الآن في موقع الدفاع.

في سلوفاكيا هزم تحالف وطني اشتراكي حكومة ميكولاس تزوريندا الإصلاحية، وفي بولندا استطاع تحالف بين المحافظين والوطنيين من إبقاء دعاة الإصلاح المدني خارج الحكم. وفي جمهورية التشيك، نجح الحزب الليبرالي المدني الديمقراطي في الانتخابات، بيد أنه أضعف من أن يتمكن من تشكيل حكومة. وفي هنغاريا أُبعد الشعبيون من الحصول على السلطة ولكن بمجرد شعرة، وبسبب أن أصحاب السلطة من الاشتراكيين كذبوا حول حقيقة وضع الاقتصاد العام.

وقد رأى كثير من المعلقين في أداء الأحزاب الليبرالية الضعيفة في الانتخابات علامة على ضعف التأييد العام للسوق الحرة. بيد أن الحقيقة هي أن معظم الاستطلاعات التي أجريت في البلدان التي التحقت بالاتحاد الأوروبي والتي قام بها معهد غالوب في عام 2003، وجدت أن معظم سكان أوروبا الوسطى يؤيدون المنافسة الحرة كما يؤيدون تدخلا حكوميا أقل في حياتهم. وكذلك فإن الكثير من إصلاحات دزوريندا الراديكالية، بما في ذلك الضريبة المقطوعة، قد نالت تأييد أكثرية الشعب السلوفاكي قبيل انتخابات 2006.

إن صعود الأحزاب الشعبية في أواسط أوروبا يعود جزئياً إلى وعودها بمحاربة الفساد. وعلى سبيل المثال فإن تصنيف بولندا في سلم قياس الفساد على المستوى الدولي من حيث الشفافية قد هبط إلى 3.4 في عام 2005 من 4.6 في عام 1998وهبط تصنيف التشيك إلى 4.3 من 4.8 وهنغاريا ظلت في مستوى 5، أما في سلوفاكيا فقد ارتفع المؤشر إلى 4.3 من 3.9. وعلى النقيض من ذلك فإن آيسلندا، التي كانت تعتبر من أقل بلدان العالم فساداً، نالت 9.7 نقاط من مجموع 10.

لماذا يظل الفساد مشكلة كبيرة في أواسط أوروبا؟ على الرغم من الارتفاع الدراماتيكي في حرية الإقليم الاقتصادية منذ زوال الشيوعية، فما زالت معظم اقتصاديات أوروبا الوسطى مكبلة بالأنظمة. وقد وجد البنك الدولي أن سلوفاكيا وجمهورية التشيك وهنغاريا وبولندا مكبلة بأنظمة أكثر من معظم اقتصاديات البلدان المتقدمة بما في ذلك معظم الدول الأعضاء في المجموعة الأوروبية. هذا يعني أن هنالك جيوشاً من البيروقراطيين في تلك البلدان الأربعة، التي يوجد لديها فرص عديدة لابتزاز الرشاوى من الشركات الخاصة.

يضاف إلى ذلك أن الشفافية الحكومية، والرقابة البرلمانية، واستقلال القضاء وقوة جهاز الخدمة المدنية تظل غير متطورة نسبياً في أواسط أوروبا. فالإنفاق العام قليلاً ما يكون شفافاً كما أن أنظمة العطاءات للعقود الحكومية كثيراً ما تخضع لأهواء الموظفين العامين شديدي الطمع. وهكذا فإن الأنظمة الكثيفة والعطاءات التي يلفها الغموض قد ساهمت في خلق طبقة كاملة من الناس تربطها علاقات سياسية جمعت ثرواتها بوسائل غير مستقيمة. وقد انتقم الرأي العام الغاضب من الطبقة الحاكمة الفاسدة بسحب تأييده عن الأحزاب السياسية القائمة.

صعود الأحزاب الشعبية من شأنه أن يؤجل المزيد من الإصلاحات الاقتصادية. هذا أمر يُؤسف له، لأن حجم وآفاق الدولة في أوروبا الوسطى لا بد أن يخفَّضا من أجل تقرير مشكلة الفساد. ومن المفارقات أن تأجيل المزيد من اللبرلة وما يرافق ذلك من فشل في معالجة الأسباب الكامنة وراء الفساد قد ينال من أوضاع حكام أوروبا الوسطى الجدد ويمهد الطريق لتجددٍ ليبرالي.

ماريان إل. توبي: مساعد مدير مشروع الحرية الاقتصادية العالمية بمعهد كيتو في واشنطن العاصمة، وهو متخصص في دراسات أوروبا وجنوب صحارى إفريقيا.

خاص بـ"الغد" بالتنسيق مع مؤسسة مصباح الحرية. www.misbahalhurriyya.org

التعليق