الفلسطينيون عند مفترق طرق

تم نشره في الأحد 18 آذار / مارس 2007. 03:00 صباحاً

يمكن اعتبار تشكيل حكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية خطوة أخرى على طريق استعادة القضية الفلسطينية عافيتها. كانت الخطوة الأولى في هذا الاتّجاه استقالة الحكومة الأولى للسيّد اسماعيل هنيّة بعد التوصل إلى اتفاق مكة في شباط – فبراير الماضي. كان القرار القاضي باستقالة حكومة هنيّة بمثابة اعتراف بفشل "حماس" في ممارسة السلطة، أي شكل من اشكال السلطة من أيّ نوع كانت. كرّست الاستقالة إفلاس "حماس" سياسياً واظهرت أن الحركة لا تمتلك سياسة تستطيع تسويقها. كلّ ما في الأمر ان "حماس" تريد السلطة، وتعتبر السلطة أهمّ بكثير من الدولة ومن تحقيق الشعب الفلسطيني طموحاته الوطنية. إلى أن جاء اليوم الذي تبيّن فيه أن "حماس" ليست قادرة حتى على الاحتفاظ بالسلطة وممارستها وأنّ الشعب الفلسطيني، حتى في غزّة الفقيرة، يقاوم مظاهر التخلّف التي تحاول "حماس" فرضها عليه.

أرادت "حماس" تغيير طبيعة المجتمع الفلسطيني، وكان اضطرار اسماعيل هنية الى تقديم استقالة حكومته الأولى التي اقتصرت المشاركة فيها على "حماس" تعبيراً عن استسلام "حماس" وعن الفشل الذي أظهره "الأخوان المسلمون" على صعيد ممارسة المسؤولية العامة. تبيّن بكلّ وضوح أن الشعارات شيء والممارسة شيء آخر، وألا علاقة للشعارات بالممارسة، خصوصاً عندما تطرح حركة سياسية او حزباً شعارات تستهوي الجمهور لكنّها غير قابلة للتحقيق في أي شكل من الأشكال. في حال كان مطلوباً اختصار تجربة حكومة "حماس" التي عاشت نحو سنة، أمكن القول أن لا وجود لشيء اسمه السلطة من اجل ممارسة السلطة. الى جانب السلطة، هناك دائماً السياسة. من لا يعرف في السياسة لا يمكن أن يحتفظ بالسلطة.

الآن وقد تشكّلت الحكومة، حكومة الوحدة الوطنية، لا مفرّ من العودة الى السياسة، أي الى محاولة فهم لماذا فشلت حكومة "حماس" وهل في الامكان تفادي الأخطاء التي تراكمت منذ فوز الحركة الاسلامية في الانتخابات التشريعية الفلسطينية قبل نحو أربعة عشر شهراً؟ فشلت "حماس" لأنّها لم تميّز بين ممارسة السلطة من جهة والمشروع السياسي الوطني من جهة أخرى. وكانت الحاجة الى بداية حرب اهلية لا تستطيع "حماس" الانتصار فيها، كي تكتشف أن لا مفرّ من الذهاب الى مكّة وتوقيع اتفاق يؤدي الى وقف الاقتتال الداخلي بين الفلسطينيين وتشكيل حكومة وحدة وطنية يمكن أن تساهم في رفع الحصار الظالم عن الشعب الفلسطيني.

يُعتبر تشكيل حكومة الوحدة الوطنية خطوة أولى على طريق فهم "حماس" ألا وجود لسياسة خارج أطار موازين القوى. لم تذهب "حماس" إلى مكّة إلاّ بعدما تبيّن أن ليس في استطاعتها السيطرة على قطاع غزّة عسكرياً وأنّ "فتح" قادرة على المواجهة، خصوصاً بعدما وجدت قائداً عسكرياً قادراً على إعادة تنظيم صفوفها اسمه العقيد محمّد دحلان. لم يكتف دحلان  في مواجهات غزّة بالردّ العسكري، بل قال كلاماً سياسياً في غاية الأهمية عندما ربط "حماس" بالصراعات ذات الطابع المذهبي التي تشهدها المنطقة وبالحلف السوري- الإيراني الذي يغذّي هذه الصراعات.

ربّما فهمت "حماس" اخيراً معنى التعاطي مع موازين القوى. ما تحتاج الى فهمه الآن، أن اتفاق مكّة قد لا تكون له أي أهميّة باستثناء وقف الاقتتال مؤقتاً في حال عدم توصّل الحكومة الجديدة الى وضع برنامج سياسي واضح يستند الى خطاب التكليف الذي وجّهه رئيس السلطة الوطنية السيّد محمود عبّاس الى هنية عندما طلب منه إعادة تشكيل الحكومة. مثل هذا البرنامج السياسي الواضح يمكن أن يساهم في رفع الحصار عن الشعب الفلسطيني ويمكن ان يعيد الكرة إلى الملعب الإسرائيلي عن طريق تأكيد ان هناك شريكاً فلسطينيّاً يمكن التفاوض معه من أجل إزالة الاحتلال وإقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة بدل الاكتفاء بالعمل على تغيير طبيعة المجتمع الفلسطيني.

سقطت "حماس" ضحية شعاراتها من نوع تحرير فلسطين من البحر إلى النهر أو من النهر إلى البحر، لا فارق. وسقطت عندما اعتقدت أنّ في العالم من سيصدّق "أن أرض فلسطين كلّها وقف إسلامي". وسقطت خصوصاً عندما اعتقدت أن أنتصارها على إسرائيل يكون بتغيير طبيعة المجتمع الفلسطيني وتحويله إلى مجتمع متخلّف لا يفرق بين الوهم والحقيقة، أي بين ما يستطيع الحصول عليه وبين ما يستطيع أن يحلم به.

يفترض في الحكومة الفلسطينية الجديدة، في حال كانت تريد أن تكون صادقة مع الشعب الفلسطيني وساعية إلى تلبية تطلّعاته، اتخاذ سلسلة من الخطوات الجريئة بدءاً بالاعتراف بأن لا مفرّ من التفريق بين من يريد الخير لهذا الشعب من جهة وبين من يسعى الى المتاجرة به. من يريد الخير للشعب الفلسطيني، يمتلك ما يكفي من الشجاعة للقول أن المطلوب التوصّل الى تسوية "هذه السنة" وليس بعد سنتين او خمس سنوات، على غرار ما فعل الملك عبدالله الثاني في خطابه الأخير أمام مجلسي الكونغرس الأميركي. من يريد الخير للشعب الفلسطيني، يردد ما قاله العاهل الأردني أمام الكونغرس عن أن " ستين عاماً من الحرمان الفلسطيني وأربعين عاماً من الاحتلال، اضافة إلى عملية سلام بين توقف وانطلاق، خلّفت تركة مشحونة بالمرارة والخيبة واليأس لدى كلّ الأطراف". من يريد الخير للشعب الفلسطيني يفكّر في كيفية التخلّص من عقد الماضي وتحويل غزّة التي انسحب منها الاحتلال الى نموذج حضاري، الى حدّ ما، لما يمكن أن تكون عليه الدولة الفلسطينية المستقلّة.

ليس البرنامج السياسي الواضح وحده الذي سيؤدي إلى بدء المجتمع الدولي في العمل الجدّي من أجل فكّ الحصار عن الشعب الفلسطيني. هناك قبل ذلك حاجة ماسة إلى العمل على القضاء على فوضى السلاح. من دون القضاء على فوضى السلاح، سيراوح العمل الحكومي الفلسطيني مكانه، وسيكون مؤتمر مكة وفّر مجرّد هدنة تمهّد لالتقاط كلّ طرف أنفاسه في انتظار جولة أخرى من القتال.

لا شكّ أن الفلسطينيين بعد تشكيل حكومة الوحدة الوطنية يقفون عند مفترق طرق. ليس هناك انسان عاقل يمكنه أن يستخفّ بالمشروع الاستعماري الاسرائيلي الهادف الى تكريس الاحتلال لجزء من الضفة الغربية بما فيها القدس الشريف. ولكن ليس هناك أيضاً انسان عاقل يستطيع تجاهل أنّ على الجانب الفلسطيني القيام بما هو متوجّب عليه بدءاً بالقضاء على فوضى السلاح وانتهاء بالبرنامج السياسي الواضح المقبول من الأسرة الدولية تعتمده الحكومة بعيداً عن عقدة الاعتراف بإسرائيل أو عدم الاعتراف بها. في غياب مثل هذا البرنامج، يمكن القول منذ الآن ألف سلام وسلام على اتفاق مكة وعلى فرصة أخرى لم يحسن الفلسطينيون التقاطها، أقلّه من أجل فك الحصار والعودة إلى وضع يسمح لهم بالتفكير في كيفية التفريق بين الممكن والمستحيل في هذا العالم الذي يسوده الظلم.

كاتب لبناني مقيم في لندن

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »مقال جريء (حسن نور الدين)

    الأحد 18 آذار / مارس 2007.
    كل التحية للأستاذ خير الله خير الله على هذا المقال الجريء الذي يضع النقاط على الحروف و يحلل الواقع كما هو بكل وضوح و صراحة ، دون مواربة ، و دونما سقوط في مربع الشعارات الجوفاء و مديح حماس ظالمة كانت ام مظلومة ، و هو النهج الذي سقط فيه للاسف بعض الكتاب العرب الذين يرفضون ان يتعاملوا مع حقيقة الاوضاع على الساحة الفلسطينية و يرفضون الاعتراف بالنتتائج الكارثية التي وصل اليها الشعب الفلسطيني كنتيجة لفشل حكومة حماس السابقة و عجزها.