د.باسم الطويسي

الإقليم الغائب

تم نشره في الأحد 18 آذار / مارس 2007. 03:00 صباحاً

امتدادا من طهران إلى القاهرة ومن الرياض إلى أنقرة وصولاً إلى تل أبيب ودمشق وعمان، تفعل حمى السياسة هذه الأيام فعلها وتزيد من حالة الدوار الإقليمي بانتظار تحولات سريعة تنال ملفات وقضايا بعضها معلق منذ عقود طويلة وأخرى منذ سنوات حيث ادوار متحفزة وأخرى مؤجلة او تنتظر. بينما تختلف المبررات والدوافع، كما يختلف إدراك كل طرف لحدود قدراته وقدرات الآخرين، ولطبيعة عناصر المنافسة، وفوق ذلك تختلف رؤية كل طرف لتوقعات الآخرين منه.

لقد تغير مفهوم الدور الإقليمي والوظيفة القيادية، ولم يعد الأمر يدور حول المقولات التقليدية للقيادة والريادة والسبق، بل يرتبط هذا المفهوم في الاستراتيجيات المعاصرة بقدرة المنظومة الإقليمية على التفاعل الايجابي وتراكم المصالح فيما بينها أكثر من الجانب الصراعي للمفهوم التقليدي، وهو أمر مازال بعيدا عن هذه المنطقة، وتعكس التفاعلات الراهنة هذه الحقيقة. فمقابل إدراك النخب الحاكمة في هذه العواصم لقرب استحقاقات سياسية واستراتيجية من المحتمل ان تقدم عليها الولايات المتحدة بالتوافق مع أطراف أخرى فاعلة في المجتمع الدولي على امتداد شهور الصيف القادم، ما تزال المنطقة بمكوناتها العربية والإقليمية تفتقد الحد الأدنى من التفاعل الايجابي بعيدا عن خطاب النكاية السياسية وسياسة الاستحواذ والإقصاء حتى داخل أطراف كل محور إقليمي كما يطلق عليها.

طبيعة الصراع على الوظيفة القيادية في الإقليم تدل على مدى غيابها؛ حيث تعمل عوامل عديدة على تحديد طبيعة سلوك مراكز القوة الإقليمية التي آن الوقت لبروزها؛ أهمها المنظور الأميركي الإسرائيلي للمنطقة في هذه المرحلة والقائم على تصور المنطقة الممتدة من باكستان إلى المغرب العربي، فيما يسمى بالشرق الأوسط الكبير منطقة مغلقة للمصالح الأميركية، تقوم الولايات المتحدة بتحديد حجم التفاعلات الداخلية فيها وتوزيع الأدوار وتحديد حركة كل طرف وأنماط التحالفات، في حين تعمل قدر المستطاع على ان تبقى هذه المنطقة معزولة استراتيجياً عن تفاعلات القوى الدولية الأخرى؛ أي احتكارها استراتيجياً من خلال سياستي الإدماج الكامل، كما يحدث مع المراكز المالية، على الخليج العربي، والتطويع والترويض أو التقطيع والتغيير، كما يحدث مع إيران وسورية، وعلى امتداد هذه المساحة تشكل الصراعات المحلية الوجه الآخر لطريقة توزيع عناصر القوة والأدوار كما تراها واشنطن. يدرك الاستراتيجيون الأميركيون ان المنطقة التي باتت تسمى مؤخراً في أدبياتهم (هلال الأزمات) هي منطقة التوتر الأولى في العالم وهي البيئة الخصبة لازمات لا  تنتهي، ومنها أيضا ينطلق تغيير العالم مرة أخرى كما حدث في مرات سابقة أخرها نهاية الحرب الباردة.

وفي الوقت الذي تتقدم فيه الوظيفة القيادية السعودية بسرعة، وتخرج الرياض من سياسات الاسترضاء الى المبادرة، ومن رد الفعل الى الفعل لا توجد أي إشارات دالة على ظهور جيل جديد من السياسات التي تخرج السعودية من مزاجها الثقافي التقليدي، ونموذجها التاريخي في تقديم الإسلام للعالم، في حين من المفترض أن الدور المصري لم يعد يتنافس مع ادوار عربية أخرى، كما كان سائداً خلال العقدين الماضيين، بل يتنافس اليوم مع ادوار وقوى إقليمية ودولية تحاول فرض نفسها وإقصاء الدور المصري، إلا أن هذا الاستحقاق ما يزال في حدوده الدنيا، ما بات يزيد من الكلف المترتبة على استعادة الدور لوظائفه التاريخية، وسط صعوبات وتحديات داخلية وتعدد لمصادر التهديد. هناك صدام استراتيجيات يتعمق مع إسرائيل وإيران وتنازع على المصالح والأدوار مع تركيا في المشرق العربي وإثيوبيا في شرق إفريقيا، وتحد لدور هندي متنام في الخليج، ووجود صيني في السودان، بينما تحد القيود الأميركية من حركة مصر وقدرتها على المناورة، وفي الوقت الذي تزداد الفوائض المالية في الرياض وحولها وتزداد أهمية كتلة دول الخليج العربي تتراخى عناصر القوة الناعمة السعودية وسط فوضى الحرب على الإرهاب، وتتراجع قيمتها في قيادة العالم الإسلامي السني المتهم الأول بالإرهاب في العالم، بينما تسترخي دمشق في الجيب الإيراني وكل طموحها استعادة الجيب اللبناني.

الإقليم الجديد يتشكل بسرعة شئنا أم أبينا، وهو خلاصة سياسية واستراتيجية لتفاعلات وعرة بين واشنطن وطهران وبغداد وتل أبيب بالدرجة الأولى، كما لم تغب عنها الرياض والقاهرة ودمشق وعمان بالدرجة الثانية.

basimtwissi@hotmail.com

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »دور سعودي ، ولكن . (جبر المجالي)

    الثلاثاء 20 آذار / مارس 2007.
    أشكرك على هذاالمقال، قدتخيب آمال من يتطلع الى دور قيادي للسعودية على الصعيد العربي في زمن تطمح فيه العديد من المحاور الى المنافسة، خاصةَانها تمتلك المقدسات الاسلامية وثروات نفطية كبيرة ، لكن هذه الآمال والتطلعات تحتاج الى أرض صلبة لنجاحها، لكن هذاالدور السعودي يمكن اأن يواجه الرفض من أنظمة متعددة ،لذلك في النهاية نحن بحاجة الى وحدة عربية حقيقة لمواجهة التحديات الراهنة .
  • »غائبون ولكن (رايه فريحات)

    الأحد 18 آذار / مارس 2007.
    نحن غائبون ولكن لماذا ؟ لاننا غير قادرين على لعب السياسة صح ام ماذا لماذا لا يكون لنا اذرع طويله في الاقليم كما لايران وامريكا وان تكون قوتنا بالتوحد بوجه الظلم والطغيان والزحف الايراني داخل المنطقة لو اجتمعت الدول العربية على كلمة واحدة لما استطاعت اي دولة خارج الاقليم من التمادي علينا وتفرض نفسها بقوة الا اذا اردنا لها ذلك ولن تكون سبب في فرض تقسيم المنطقة عليناالا لاننا نريد ذلك وغير قادرين على مواجهتها
  • »ايران وبس (همام خزاعي)

    الأحد 18 آذار / مارس 2007.
    قد لا افهم بالسياسة كثيراً ولكن اصبح الجميع يدرك دور ايران الاقليمي وعلاقتها مع سوريا وحزب الله وسطوتها داخل العراق وذلك لاهداف تخصها اولاً وتحقق مصالحهاالاستراتيجية داخل الاقليم وما تقوده الآن من مواجهات مع امريكا حول النووي ستنجح به وستنفذ ما تريد وربما ستكون من الجهات التي قد تتحالف معها اسرائيل وتريد ارضائها واعظم دولنا العربية غير قادره على توظيبف الطاقة النووية ولو سلمياً لان اللغة الآن اصبحت التسلح والقوة وليس التفاهم والا ماكان وضعنا في الشرق الاوسط هكذا لوكان لدينا القنبلة النووية لحسمنا كل شئ
  • »لاقليم الغائب (ريم ابو قبيطة)

    الأحد 18 آذار / مارس 2007.
    اشكرك بداية على هذا المقال ولكن الاترى بأن وجود الصراع على الوظيقة القيادية في الاقليم افضل من غيابة فعلى الاقل يعطي للمواطن العربي امل بأن يكون هناك شعاع نور قادم قد يكون السعودية او الاردن على قيادة هذا الاقليم على الرغم من كل الظروف التي تحول دون ذلك .