ياسر أبو هلالة

الأحزاب ليست بحاجة إلى قانون

تم نشره في الأحد 18 آذار / مارس 2007. 03:00 صباحاً

أستغرب الحديث عن  قانون أحزاب في ظل عدم وجود أحزاب ابتداء. فالموجود اليوم لا يمكن تعريفه بالحزب لا بالمعنى الاشتراكي الآفل ولا بالمعنى الليبرالي الغربي القائم. فالأحزاب اختراع غربي سببه الدولة الحديثة. في العالم العربي درج المفهوم الاشتراكي تأسيا بالنموذج اللينيني، ثمة كادر حزبي يتعرض لعملية إعادة إنتاج من جديد والحزب كيان هرمي له قيادة من أمين عام ومكتب سياسي ولجنة مركزية. معظم الأحزاب في العالم العربي – بما فيها الأحزاب الإسلامية – قلدت هذا النموذج. ليس هدف الحزب المشاركة في السلطة أو تداولها هدفه انتزاعها وقيادة الدولة والمجتمع للأبد.

في سنوات ما قبل الاستقلال في العالم العربي كان ثمة فرصة للأحزاب بالمعنى الغربي الليبرالي مثل تجربة الأحزاب المصرية والسورية والعراقية. الوفد كان أبرزها؛ فالوفدي لم يكن يؤهل ليعيد إنتاج نفسه ومن ثم إنتاج المجتمع وفق رؤية شاملة جديدة. كان تيارا عريضا فضفاضا يعبر عن مصالح الطبقة العليا والوسطى المصرية في حينه (في علم الطبقات سيكون توصيفي غير دقيق!) ولم تكن الطبقات الدينا في المجتمع ترى فيه خصما بل كان زعيما مثل سعد زغلول محبوبا عند الفلاحين والملاَكين.

اليوم في الأردن لا يوجد أحزاب لا بالمعنى اللينيني المغلق ولا بالمعنى الغربي الفضفاض. الأحزاب اللينينية (الشيوعي، البعث، القومي السوري وغيرها)  يمكن أن تتبع دائرة الآثار العامة، في المقابل لا يوجد احزاب بالمعنى الغربي. الحزب الوطني الدستوري مثلا عندما تشكل في تآلف بين عبدالهادي المجالي وعبدالرؤوف الروابدة وسط ترحيب رسمي لم يحقق نتائج تذكر في الانتخابات التي تلت، وكان أطرف ما في التجربة أن قوائم الحزب كانت في جلها سرية، وكثيرا ما كان ينفي منتسبو الحزب صلتهم به في غضون الحملة الانتخابية. والسؤال الكبير أين منتسبو حزب العهد (المجالي) وحزب اليقظة (الروابدة)؟ هل فعلا ثمة من انتسب لحزبين وانضم لاحقا للاتلاف في الحزب الوطني الدستوري؟ وما المصير اليوم بعد قانون الأحزاب؟

يقال كثيرا ان حزب جبهة العمل الإسلامي هو الحزب الوحيد الفاعل، هذا ليس صحيحا. فاعل نعم لكنه ليس حزبا بالمعنيين السابقين. جبهة العمل الإسلامي ذراع سياسية للإخوان المسلمين وهم بدورهم ليسوا حزبا. الإخوان هم حركة إسلامية تعتمد على الدين بشكل شبه كامل، الانضمام إلى الإخوان يبدأ في المسجد، من ينضم يتعلم الصيام والقيام والتلاوة وغير ذلك من شعائر الدين، والسياسة تأتي لاحقا. في مرحلة متأخرة يتشابه النموذج الإخواني مع النموذج اللينيني يغدو الأخ المسلم طامحا بتغيير الكون. هنا تجد من يريد تحرير فلسطين ومن يريد محاربة الفساد ومن يريد بناء أسرة، هذه الخلطة بالنهاية يصهرها التدين والقيم المحافظة التي توحد الجميع.

حاول بعض الإخوان في مطلع التسعينيات الاستفادة من التجربة الحزبية والتمييز بين الإخوان حركة إسلامية وبين جبهة العمل الإسلامي حزبا سياسيا أردنيا لكنهم منوا بفشل ذريع. انتصر التخلف في النهاية وظل وضع الإخوان كما هو. في المقابل نجد نجاحا مذهلا حققته تجارب حركات إسلامية فصلت حقيقة لا تورية بين الفضاء الديني والفضاء السياسي. في المغرب العربي تناقش النخبة المغربية اليوم تفاصيل حكومة حزب العدالة والتنمية المقبلة. فنتائج الانتخابات تبدو محسومة لصالحه وكانت كذلك في الانتخابات السابقة لكنه آثر التراجع للموقع الثاني. نجاح الحزب يعود لأسباب كثيرة أبرزها أنه فصل بين حركة التوحيد والإصلاح، وهي المؤسسة الدينية والخزان الذي يمده بالأنصار، وبين الحزب الذي يعمل في فضاء سياسي مستقل.

لا يمكن تأسيس حياة حزبية في الوقت الذي لا تريد الدولة أن تعمل وفق آليات سياسية حديثة، ولا تستطيع القوة السياسية الأساسية (الإخوان المسلمون) تحديث نفسها. لا داعي لقانون الأحزاب بما انها غير موجودة أصلا. والأفضل الحديث عن قانون انتخابات يسمح بالتحالفات وبناء تراكمات تسمح بقيام احزاب مستقبلا. في القانون الانتخابي الحالي لو خاض الانتخابات على أساسه الحزب الشيوعي الصيني  لما تمكن من تحقيق أكثرية نيابية.

لا داعي لقانون أحزاب ، إن صحت النوايا بإصلاح سياسي، يمكن أقرار قانون انتخابي بصوتين صوت للبنى الموروثة وصوت للبنى الحديثة، وبذلك يتعايش القديم والجديد بدلا من احتكار القديم للساحة. في الأجندة الوطنية (هل لا يزال الناس يذكرونها؟) تحدثت اللجنة السياسية فيها عن الصوتين. طبعا أعداء التيار الإسلامي اعتبروا أن إقرار الصوتين سيشعل حربا عالمية رابعة. وعلى ما يبدو أن العداء غير المنطقي وغير المفهوم للتيار الإسلامي يمنع أي تحديث للحياة السياسية الأردنية. ولا داعي للتفاؤل بقانون انتخابات أو أحزاب.

yaser.hilala@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »A comment about this article (issam)

    الأحد 18 آذار / مارس 2007.
    هناك تعليق على المقالة:
    mowatin dot blogspot dot com