منار الرشواني

أمن ما بعده أمن

تم نشره في الاثنين 12 آذار / مارس 2007. 02:00 صباحاً

بعد وابل الاعترافات بسوء التخطيط ابتداء، وصولاً إلى الفشل - الآني وإلى الآن على الأقل - في العراق، ارتضت الإدارة الأميركية أخيراً ترجمة هذا الحديث عن الفشل إلى أفعال، عبر المشاركة في ما سمي المؤتمر الدولي الخاص بإحلال الأمن في العراق، بحضور إيران وسورية.

لكن لماذا قبلت إدارة الرئيس بوش دعوة رئيس الوزراء العراقي، نوري المالكي، رغم أنها تمثل خروجاً واضحاً على السياسة الأميركية في الشرق الأوسط، والقائمة على إقصاء إيران وسورية تحديداً، وفق التصريحات الرسمية الصادرة عن أعلى مستوى حتى إلى ما قبل أيام قليلة فقط، سيما وأن ذات الإدارة وأركانها كانت قد رفضت دعوة مماثلة من حيث المبدأ، إنما أكثر تماسكاً وجدية، تضمنها تقرير لجنة بيكر-هاملتون؟

منطقي جداً أن الإدارة الأميركية مازالت تحاول الخروج بمظهر المتمسك بمبادئه المؤكدة على "ديمقراطية!" العراق، ورفض ما يسمى الدول الداعمة للإرهاب، لكنها وإذ أوحت، على وجه التغليب الذي يقترب من اليقين، بالدعوة إلى المؤتمر الأمني في بغداد، فهي تخلق ابتداء انطباعاً لدى الآخرين، أو هي تظن كذلك، بأنها تتعامل مع حكومة عراقية تمسك بزمام سيادة كاملة، لا تملك الإدارة الأميركية بكل جيوشها الموجودة على أرض العراق إلا القبول برغباتها وقراراتها.

لكن من ناحية أخرى، فإن الدعوة الأميركية - العراقية بحد ذاتها، كما اللقاء "التاريخي" الذي تم بين مسؤولين أميركيين وإيرانيين، قد ينطويان على مضامين تفضي إلى كارثة مستقبلية على صعيد العراق العربي، تمتد سريعاً إلى كامل المنطقة العربية، بما تحويه من تنوعات عرقية ودينية.

فقبل اقتراح الديمقراطيين في مجلس النواب الأميركي "سحب جميع القوات الأميركية من العراق بحلول آب 2008" في حالة تحسن الوضع الأمني هناك؛ أو في تموز القادم، وبحيث يكتمل الانسحاب قبل بداية العام الجديد، في حال الفشل؛ قبل هذا الاقتراح الذي قد يقال بشأنه إنه يدخل في باب المعارك السياسية الجوفاء، وعلى المستوى الميداني الأهم، كان استطلاع للرأي أجراه موقع "Military Times" بين الجنود الأميركيين، نشرت نتائجه في 6 كانون الثاني الماضي، قد أظهر أن "الجيش الأميركي، الذي كان يوماً ما أقوى مؤيدي الرئيس الأميركي وحربه في العراق، قد بات أكثر تشككاً بشأن احتمالات النصر (في تلك الحرب)... وللمرة الأولى فإن عدد الجنود الأميركيين الذين يعارضون طريقة إدارة الرئيس بوش للحرب في العراق تزيد عن عدد مؤيديه".

وهكذا، يبدو التخوف الحقيقي من سعي أميركي فعلي إلى تسليم العراقيين زمام أمورهم، بالشراكة مع دول الجوار، في ظل الأوضاع والمعطيات الحالية، واعتبار هؤلاء المسؤولين عن معالجة الفوضى التي خلقها الأميركيون بعد انسحابهم.

احتمالية هذا السيناريو المفزع تبدو عالية، ليست استناداً إلى مؤشرات أميركية داخلية فحسب، بل لأن العراق يبدو وقد خرج تماماً عن السيطرة الأميركية، فيما يزداد قلق دول الجوار، كلاً وفق حساباته، من مآلات الأوضاع هناك. فهذا القلق، أو طموحات البعض، تسمح منطقياً بتجيير مسؤولية إخماد نيران الحرب الأهلية العراقية - والاحتراق بها قبلاً - إلى هذه الدول، بأقل الخسائر الأميركية.

مؤتمر بغداد، بكل ما يجمّله من ادعاءات أو آمال متفائلة، يبدو من ناحية منطقية أقرب إلى رسالة تحذير جديدة إلى الدول العربية المشغولة فعلاً بالعراق، والساعية إلى ضمان خروجه من محنته عربياً مستقلاً موحداً. وعلى هذه الدول بلورة سياسة واحدة، متماسكة وواقعية، لضمان أن لا يبقى العراق ساحة نفوذ لهذه الدولة أو تلك، تقايض به لأجل مصالح بعيدة كل البعد عن مصلحة الشعب العراقي بطوائفه العرقية والدينية والمذهبية كافة، وبما قد يفتح على تفجر الصراعات الداخلية في غير دولة عربية، أو يجلب إليها عدم الاستقرار على الأقل.

manar.rashwani@alghad.jo

التعليق