ياسر أبو هلالة

"خرافة" الوحدة العربية

تم نشره في الأحد 11 آذار / مارس 2007. 03:00 صباحاً

لم أشعر بالقلق عندما سمعت وصف الوحدة العربية بـ"الخرافة"، مع أن الوصف صدر عن الباحث المعروف الطاهر لبيب، وهو منذ ستة عشر عاما ينظم ملتقى سنويا لعلماء الاجتماع العرب الشباب. فالخرافة تظهر عندما يعجز العلم عن تفسير ظاهرة ما. وكم من الخرافات والأساطير كان لها فعلها وحضورها أكثر من الوقائع المادية الملموسة.

وعلى أهمية الخرافة في حياة البشر، إلا أن الوحدة العربية المختلفة تظل حلما له إمكانية التحقق بتجليات يصعب حصرها وتحديدها. وجدتني أتفق كثيرا في ورشة العمل التي عقدها مركز الدراسات الاستراتيجية مع طروحات الدكتور سعدالدين ابراهيم الذي أشرف على الاستطلاع الوحيد عن الوحدة العربية قبل زهاء ثلاثين عاما. فهو، مسترشدا بما تحقق في الاتحاد الأوروبي، يرى مشروعية في حلم الوحدة وإمكانية للوصول إلى صيغ وحدوية لا تصل إلى مرحلة الوحدة الاندماجية.

حلم الوحدة الأوروبية بدأ في خيال سبينيلا؛ مثقف معزول في جزيرة في أتون الحرب العالمية الثانية العام 1942. كانت أوروبا تمزقت شر ممزق، وسالت دماء ملايين البشر (أكثر مما سال في العالم العربي)، وجد المثقف أن الخروج من دوامة الاحتراب يتطلب بناء نموذج جاذب ولو نظريا. وهو ما ذكّر بفكرة عالم أميركي في سنوات الكساد التي أتت على الاقتصاد الأميركي، في حينها ظهرت فكرة بناء مبنى الإمباير ستيت، أعلى مبنى في العالم.

في العالم العربي نحتاج إلى فكرة الوحدة العربية أكثر من أي وقت، لأن الخروج من حال التجزئة والانقسام والتشظي، وصولا إلى الحرب الأهلية، يتطلب فكرا لا يستسلم للواقع الآسن، وإنما يتمرد عليه ويتجاوزه. فوق ذلك، ثمة وقائع ومؤسسات تؤكد أن كثيرا من العرب يؤمن بوجود الأمة الواحدة. قارن سعدالدين إبراهيم بين الاستطلاع قبل ثلاثة عقود والواقع الراهن، اعتبر أن شبكة الجزيرة الفضائية دليل ملموس على وحدة العرب الذين يتوقون إلى سماع أخبار بعضهم. أبعد من ذلك، اعتبر باحثون أن تلفزيونات الترفيه، مثل "إل بي سي" والتي بدأت محطة للقوات اللبنانية التي يعتبر أنصارها أنفسهم ليسوا عربا، آلت إلى قناة عربية تتجاوز الطائفة والعرق بدافع المصلحة التجارية أولا وليس ولاء للفكر القومي.

ليس الإعلام وحده يوحد العرب، ثمة مؤسسات مجتمع مدني موحدة وفاعلة: اتحاد المحامين العرب، والمهندسين، والصحافيين، وغيرهم. حتى تجربة دبي التي تمثل العولمة حرفيا خرج منها منتدى رجال الأعمال العرب الشباب. مجتمع المعلومات أنتج شبكات مثل اتحاد المدونين العرب، يتواصلون عبر فضاء الإنترنت بلا حدود ولا جوازات سفر.

أطرف ما في حديث سعدالدين إبراهيم أن فكرة مركز دراسات الوحدة العربية بدأت باتصال بينه وبين سعدون حمادي (القيادي البعثي المعروف)، وعندما بدأوا فكرة الاستطلاع عارضته أعلى الدول صوتا في في المطالبة بالوحدة العربية، وهي العراق وسورية وليبيا. وهو ما يكشف أن ألد أعداء الوحدة هي الأنظمة الديكتاتورية مهما رفعت من شعارات. في المقابل، كانت أنجح المشاريع الوحدوية هي من مؤسسات المجتمع المدني ورجال الأعمال.

بعد عقود ثلاثة، العالم العربي يبدو بصورة أفضل حتى على المستوى الرسمي، فثمة مشاريع وحدة اثبتت نجاحا، مثل الوحدة اليمينة؛ وحتى حال الانقسام والاحتراب أكد أن العروبة خيار لا مفر منه. الأكراد في العراق يستطيعون اليوم الانفصال لكنهم لا يفعلون، ليس انبهارا بالعروبة وتخليا عن قوميتهم، وإنما لأن مصلحتهم مع العالم العربي.

وفي العراق أيضا لماذا لم تستطع أميركا حتى اليوم منع المقاتلين العرب من دخول العراق؟ تطوان في أقصى الغرب أطلق عليها في صحيفة الجارديان "مدينة الانتحاريين". هل أولئك الشباب يؤمنون بالتجزئة والدولة القطرية؟ الواقع يؤكد أن ثمة عالما عربيا ينزع للتوحد ولو بدا أنه يتمزق ويحترب. بعد عقود ثلاثة من الاستطلاع الثاني المزمع، ربما يجري استطلاع عن تجربة الاتحاد العربي، ويتذكر باحث ما أن مثل هذا الاتحاد كان يوصف بـ"الخرافة".

yaser.hilala@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »only democracy (Nedal)

    الاثنين 12 آذار / مارس 2007.
    arab unity means demise of despotic arab regimes, including those who speak of arab unity. only democracy will bring unity
  • »الامة العربية تتوق الى الوحدة (م. سليمان الشطي)

    الأحد 11 آذار / مارس 2007.
    ان الوحدة العربية حاصلة لا محالة ان شاء الله...فلى عز ولا مجد لامة العربية الا بالوحدة فمصير شعوب الامةالعربية واحد والمستقبل واحد والاحلام واحدة...المسألة هي من يملك المبادرة والامة تتوق الى الصيرورة الوحدوية...فالعرب في المغرب افكارهم وتطلعاتهم تتفق من افكار وتطلع العرب في المشرق وقد كان لي تجربةشخصية في هذا الاطار عندما كنت في الجامعة وكان لي زملاء من المغرب واليمن ومصر وفلسطين وسوريا فالجميع كان يقر بحقيقية الوحدة ويتوق اليها...لذلك فالوحدة العربية ستتحقق وسيتشارك جميع العرب في صياغةو وصناعة المجد العربي الذي اثبت جدارته في القرن السابع في الاندلس حيث كانت شوارع المدن الاندلسية تضاء في الوقت الذي كان الاوروبيين يعيشون في تخلف وانحطاط وكانت اللغة العربية لغة العالم المتحضر...