د.باسم الطويسي

التقاط الأنفاس

تم نشره في الجمعة 9 آذار / مارس 2007. 03:00 صباحاً

تشكل سلسلة الخطوات والأحداث التي شهدتها التفاعلات السياسية العربية خلال الأسابيع القليلة الماضية لحظة فارقة لالتقاط الأنفاس بدءا من الحراك السعودي الذي هدف إلى تحريك الساحتين اللبنانية والفلسطينية مروراً بالخطاب الاستثنائي الذي ألقاه الملك أمام الكونجرس الأميركي يوم الأربعاء الماضي، وجميعها تفاعلات هامة تحاول ان تستثمر الشهور الباقية في عمر الإدارة الأميركية حيث يمكن لهذه الإدارة، خلال هذه الفترة، أن تقدم على ممارسة تأثير قوي على مجرى الأحداث.

التفاعلات الجارية تسبق موعد انعقاد القمة العربية القادمة في الرياض بأسابيع قليلة، ما يجعل هذه التطورات التي تكاد تكون الأولى من نوعها على امتداد أكثر من سبعة أعوام مضت تشكل أول تراكم ايجابي عربي بعد التراجع الهائل الذي وصل إلى حد من التدهور وصف بأنه لن يسمح أن تقوم قائمة للنظام العربي الرسمي من جديد.

ومن دون الإفراط بالتفاؤل، فإننا نقف أمام حوار مصالح وحوار أنداد يمتد بين طهران والرياض، بعد صمت طويل واسترخاء سياسي واستراتيجي اتاح فرصة ثمينة لطهران بالتمدد الاستراتيجي وخلق الجيوب التي يصعب تجاوزها بسهولة، الى جانب تصاعد حضور خطاب أردني يفهمه الغرب.

بينما تسير الأمور على الساحة اللبنانية نحو تهدئة أهم ملامحها ربما إقرار المحكمة الدولية وتأجيل تشكيلها أو اتخاذ أي إجراءات أخرى إلى حين استقرار الأوضاع الإقليمية لصالح الوحدة اللبنانية، وإنهاء شبح الفتنة الأهلية أو الطائفية، التي تضغط بقوة فوق أنفاس هذا البلد بعد ثلاثة أشهر من النزول إلى الشوارع، دون ان تظهر في الأفق أي بارقة بالحسم.

التقاط الأنفاس يلاحظ بالجهود والتفاعلات التي ذهبت خلال الأسابيع والأيام الماضية نحو استعادة القضية الفلسطينية لمكانتها في المشهد الدولي، بعد ان تراجعت مكانة القضية إلى مستوى مخجل خلال السنوات الماضية، وعلى اقل تقدير ثمة فرصة لالتقاط الأنفاس اذا ما ذهب الفلسطينيون بموقف موحد إلى قمة الرياض، وإذا ما انتهى عراك تشكيل حكومة الوحدة الوطنية على خير، وتوفرت لدى الطرف الفلسطيني الإرادة الوطنية والاتفاق على الحد الأدنى من الرؤية المشتركة.

بينما تبقى هذه اللحظات الفارقة مجرد حبل تعلق عليه الأمنيات والأوهام اذا ما رافقتها تحولات هامة على الصعد الإقليمية والدولية، أهمها الضرورة المتمثلة في استعادة سورية وفك اشتباكها مع العزلة السياسية التي فرضتها سلسلة من السياسات وأوهام التحالفات الإقليمية تحت ضغوط قسوة التحولات السياسية والفراغ الاستراتجي الذي عانت منه المنطقة العربية بعد احتلال العراق.

وعلى المستوى الدولي لا تتأكد قيمة هذه اللحظة إلا اذا استطاع النظام الرسمي العربي إحداث إزاحة حقيقية في القناعات الأميركية مفادها الانتقال من المعادلة الأميركية التقليدية، التي كانت تصف الدور الأميركي حيال الصراع التاريخي في الشرق الأوسط بامتلاك القدرة على حسم الصراع او التأثير الايجابي مع غياب الإرادة والرغبة في استخدام او ممارسة هذه القدرة، الى معادلة جديدة تستقيم فيها الإرادة والقدرة معاً.

بانتظار قمة الرياض القادمة، وفي أجواء الحشد العربي لمبادرة قمة بيروت العربية، ليس من الحكمة السياسية أو الاستراتيجية تعديل هذه المبادرة أو إعادة صياغتها ليرضى عنها هذا الطرف أو ذاك، وبالتحديد في ملف اللاجئين وحق العودة، حتى وان ترسخت لدى بعض الأطراف قناعة مناقضة.

الحل الدائم، وليس العادل، يتطلب اليوم العودة الى حق العودة. فقضية اللاجئين الفلسطينيين هي أقدم وأخطر قضية لاجئين في العالم، وترتبط بشبكة معقدة من عوامل الاستقرار في المنطقة، ليس فقط للحل القائم على وجود دولتين في فلسطين، بل وعلى منظومة الأمن والاستقرار الإقليمي والتنمية لدول المنطقة بأكملها.

لقد مرت قضيـة اللاجئين الفلسطينيين بمرحلة تهميش وتجاهل طويلة، على مدى السنوات الماضيـة، تعمقت بفعل الفكر الذي قاد مسارات التسويـة، وفق ترتيبات مدار مدريد التاريخي، ولعل أهم هذه العوامل نمط القيادة الفلسطينية التي رضخت في بعض المحطات الى الضغوط ومحاولـة الحصول على مكتسبات على الأرض على حساب تأجيل وتسويف هذا الحق، ما فوت فرصا تاريخيـة لتحويل هذه القضيـة إلى قضية سياسية وقانونية وإنسانية كبرى.

يتحمل المجتمع الدولي مسؤولية مأساة اللاجئين وحقوقهم باعتباره شريكاً أساسياً في صنع فصـول هذه المأساة. لذا لا نريد للحظة التقاط الأنفاس أن تتحول الى لحظة فارقة تقطع الأنفاس بالتنازل عن هذا الحق.

basimtwissi@hotmail.com

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »رؤية موضوعية (محمد النصرا ت)

    الاثنين 12 آذار / مارس 2007.
    سمعناالخطاب الرائع الذي القاه جلالة الملك عبدالله الثاني امام الكونغرس الامريكي وحديثه عن القضية الفلسطينية واهتمامه الكبير بالشأن الفلسطينيى بشكل خاص . وياتي التحليل الموضوعي لهذه القضية في هذه المقالة الرائعة بخصوص قضية اللاجئين والوضع الراهن لهم .لك يا دكتور باسم كل التقدير على هذه الرؤية .
  • »انقذوا المنطقة (يزيد ناصر)

    الجمعة 9 آذار / مارس 2007.
    كلام الدكتور الطويسي هذا اليوم لمحاولة التقاط الانفاس يتفق مع نداء جلالة الملك عبدالله الثاني بالامس القريب امام الكونغرس عندما قال انقذوا المنطقة لانها تغرق بالياس ....اشكرك على استنطاق الواقع
  • »القضايا العربية (بندر)

    الجمعة 9 آذار / مارس 2007.
    احييك على الدقة المتناهية في تصوير القضايا العربية الراهنة ومحاولة تصنيف مساحات الصراع مقابل مساحات الامل المنتظر
  • »الاحباط العربي (Soltanah)

    الجمعة 9 آذار / مارس 2007.
    لقد تعلمنا من مدرسة الاحباط العربي ان كل الجهودالدبلوماسية دائما تنتهي بالاحباط مهما تعاظمت المحاولات ولك يا اخي الطويسي الشكر والتقدير على التحليل العقلاني