منار الرشواني

الوجه الآخر للنموذج الصيني

تم نشره في الاثنين 5 آذار / مارس 2007. 03:00 صباحاً

بحسب بيانات البنك الدولي، تضاعف الناتج المحلي الإجمالي (GDP) للصين ست مرات خلال الفترة 1984-2004، ليكون بذلك الاقتصاد الأسرع نمواً في آسيا خلال هذين العقدين. وبالنتيجة، فقد ارتفع معدل الدخل من 280 دولاراً في العام 1985 إلى 1290 دولاراً في العام 2005، ما انتشل حوالي 422 مليون مواطن صيني من دائرة الفقر خلال الفترة 1981-2001.

في المقابل، ورغم كل هذا التطور الاقتصادي "المذهل"، على مستوى الدولة ككل كما على مستوى معيشة المواطنين الأفراد أو أكثريتهم، فقد حافظت الصين على تصنيف "دولة غير حرة" وفق مؤشر منظمة "بيت الحرية" (Freedom House) طوال الفترة الممتدة من العام 1974 إلى العام 2006. وعلى مقياس يتراوح بين 1-7 يظهر درجة الحرية من انعدامها (على التوالي)، حافظت الصين في أكثر السنوات على القاع (7 درجات) سواء فيما يتعلق بالحقوق السياسية أو بالحريات المدنية، ليكون التغير إن حدث طفيفاً لا يغير من المشهد العام.

واستناداً إلى الصورة السابقة بما تحمله من تناقض بين الإصلاح السياسي والانفتاح الاقتصادي، أو على الأقل نفي أي علاقة بينهما، يمكن تفسير إغراء النموذج الصيني لعدد غير قليل على الإطلاق من البلدان العربية، على أمل الاحتفاظ بسلطة الفرد الأوحد المتجمل غالباً بواجهة حزب لا يضر ولا ينفع.

لكن إضافة إلى تباين وهوة شاسعة لا يسمحان حتى بمجرد التفكير في المقارنة بين أي دولة عربية وبين الصين، سواء من حيث الموارد وعدد السكان والمساحة الجغرافية، وحتى الشعور القومي، ثمة جانب آخر للتجربة الصينية، جدير بالتأمل من قبل البلدان العربية كافة، وهو يسمح في ذات الوقت في اختبار مدى إمكانية نجاح النموذج الصيني بأي درجة كانت في البلدان العربية التي تتبناه، سراً في الأغلب، كما اختبار مدى جدية متبنيه من العرب في مزاعمهم.

فبحسب الدراسة الصادرة في كانون الثاني الماضي عن معهد "ديموس" البريطاني بعنوان "الصين: قوة العلم العظمى القادمة"، ازداد إنفاق الصين على البحث العلمي (R&D) منذ العام 1999 بما نسبته 20% سنوياً، ليحتل هذا البلد بالأرقام المطلقة، وبحسب منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، المرتبة الثانية بعد الولايات المتحدة وقبل اليابان.

والقضية هنا لا تتعلق بالإنفاق بحد ذاته، بل الأهم، وخصوصاً في حالة العالم العربي، هو وجود كفاءات محفزة لهذا الإنفاق كونها تستحقه، وقادرة على استثماره بالشكل الأمثل.

فكما يظهر تقرير "ديموس"، ازدادت نسبة الصين من المنشورات العلمية على مستوى العالم من 2.05% في العام 1995 إلى 6.52 في العام 2004، متفوقة في ذلك على فرنسا وكوريا الجنوبية، فيما يتوقع أن تفوق نسبة المملكة المتحدة في هذا المجال خلال العامين القادمين فقط.

وإذا كان هذا الجانب يكشف عن أهمية الارتقاء بنوعية التعليم المقدم للطلبة، لا سيما في مستوى الدراسات العليا الذي يفترض فيه أن يكون مستوى بحثياً، ما يفرض بدوره ارتقاء بمستوى الأساتذة الجامعيين ومراجعة حقيقية لآليات تعيينهم وترقيتهم، إضافة إلى ذلك يكشف التقرير عن جانب آخر لا يقل أهمية، لكنه أيضاً ذو دلالة من الناحية السياسية.

فمن أصل 18 باحثاً رئيساً في مركز الطب الحيوي والصحة التابع لأكاديمية العلوم الصينية (والتي تعد أهم مؤسسة علمية في الصين)، 17 باحثاً عائدون من الولايات المتحدة الأميركية وكندا. وإذا سلمنا جدلاً أن الصين قد وفرت لهؤلاء الباحثين، في أحسن الأحوال، ذات الإمكانات الموجودة في كل من أميركا وكندا، فيظل ذلك غير كاف بإدخال متغير الحريات المدنية والسياسية في المعادلة، ما يفترض وجود امتيازات أو آفاق على صعيد هذه الحريات للعلماء الصينيين على الأقل، الأمر الذي يسمح بتوقع أن يلعب هؤلاء ذات الدور الذي لعبته طبقة البرجوازيين (الطبقة الوسطى) في فترة التحول الأولى نحو الديمقراطية في أوروبا.

كثيرة هي الأشياء الجديرة بالتأمل في التجربة الصينية والاستفادة منها، لكن ليس منها بالتأكيد التسويق زوراً وبهتاناً للديكتاتورية الآخذة بالتآكل بكل تأكيد حتى في الصين طالما أرادت هذه الدولة أن تغدو قوة عظمى على كل مستوى، ومنها المستويان الاقتصادي والعلمي، وبالتالي السياسي والعسكري.

manar.rashwani@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »المنهجية (حسام حياري)

    الاثنين 5 آذار / مارس 2007.
    بداية لا يسعني إلا وأن أُشيد بكلام الأخ منار. فأنا أعتقد أن المشكلة في عالمنا العربي هي مشكلة منهج في التعامل مع القضايا ابتداء من الفرد وانتهاء بالدولة.فقد قرأت في أحد المجلات مرة أن شركة جيليت تنفق مبلغا يصل للملايين على البحث العلمي وذلك في سبيل التطوير والتحسين وبحثا عن الصدارة. لكن في عالمنا العربي يحتل الإهتما في البحث العلمي في آخر القائمة, وهذا ما يؤدي إلى هجرة العقول بحثا منها عن الإمتيازات المفقودة في أوطاننا, ليس لعدم توفرها بل بسبب الفساد وانتشاره وعدم اعطاء هذه القضية ما تستحقه من اهتمام. أليس من المعيب أن تنفقه إسرائيل على البحث العلمي يفوق إنفاق الدول العربية مجتمعة.أقول هذا ونحن أمة كانت أول آيات كتاب ربها "إقرأ" وأكثر آياته تدعو للتدبروالبحث والتبصر.