د.باسم الطويسي

بيوت مطفأة وشوارع مضاءة

تم نشره في الأحد 4 آذار / مارس 2007. 02:00 صباحاً

مع اقتراب الشتاء هذا العام من الانتهاء بعد موجات البرد القارص، التي صاحبت خيرات السماء، يبدو أن الأزمة المرشحة للاستمرار ليست اغلاقات الطرق ولا الاكتشاف المتأخر بأنّ البنية التحتية في المحافظات - وحتى في العاصمة- مصممة للصيف فقط، بل هي واحدة من الأزمات التي تدل مؤشرات عديدة على إمكانيات استمرار تفاقمها وتمثل بعض ملامح العمق الاجتماعي للازمة الاقتصادية، ولا تنحصر في الحديث العام عن الطاقة بل تذهب نحو أزمة محتملة تنال قطاع الكهرباء باتت تطل برؤوس عدة كل منها يشكل صاعقا مجتمعيا قبل ان يكون صاعقا كهربيا.

لا توجد أرقام معلنة وواضحة حول التطورات التي شهدها قطاع الكهرباء هذا العام، في ضوء أزمة الطاقة المحلية، التي ترتبت على رفع أسعار المشتقات النفطية، لكن من الواضح ان هذا الشتاء شهد أعلى معدلات استهلاك الكهرباء ليس لنمو في قطاعات الإنتاج التي تعتمد على الكهرباء، بل بسبب زيادة الطلب على الكهرباء كمصدر بديل للتدفئة بدل المصادر التقليدية الأخرى، وذلك يعود لسببين أولهما اعتقاد خاطئ بأنّ الكهرباء أصبحت ارخص من مصادر أخرى للتدفئة، والسبب الآخر ارتفاع معدلات الفاقد من الكهرباء؛ وهو الفارق بين كميات الطاقة المولدة وبين قيمة التحصيل، والتي أصبحت في هذه المرحلة تشير إلى أرقام كبيرة معظمها يهدر من خلال ما يسمى بسرقة الكهرباء.

قصة الفاقد أو الهدر في الكهرباء باتت تشكل ظاهرة ملفتة بالتحديد في المحافظات، وتحمل دلالات خطيرة على تحولات اجتماعية قادمة، وتنطوي في نفس الوقت على مشاعر نقمة ظاهرة ولم تعد دفينة.

في إحدى المحافظات تجاوز الفاقد من الكهرباء المولدة أكثر من 60% خلال الشهور الخمسة الماضية، وفي أماكن أخرى تجاوزت معدلات قطع التيار الكهربائي عن البيوت أكثر من نصف المشتركين وصدق وصف احدهم أحوال تلك البلدات والقرى بأن بيوتها مطفأة وشوارعها مضاءة.

حينما نتحدث عن العمق الاجتماعي للأزمة الاقتصادية الراهنة فإننا نتكلم عن الفئات الواسعة التي طحنت خلال هذا العام بموجات ارتفاع الأسعار عقب رفع أسعار المشتقات النفطية، وعاشت معظم أيام الشتاء بالبرد أو بالتحايل والحرمان، وكيف يولد سوء إدارة هذه الأزمة والفكر الذي ولدها في الأصل مشاعر النقمة من جهة أو الاستهتار بالنظام والمال العام من جهة أخرى؛ فمعظم شركات الكهرباء هي شبه شركات عامة.

الأرقام المتداولة تتحدث عن معدل تضخم في العام الماضي وصل إلى حوالي 6.3%، وبغض النظر عن مدى موضوعية هذا التقدير، فإنّ الشهور الستة الماضية شهدت تآكلا في القدرة الشرائية لأكثرية الأردنيين يصل إلى ثلاثة أضعاف هذا الرقم، مقابل عجز عن سداد فواتير الخدمات الأساسية وفي مقدمتها الكهرباء، وفي نموذج البلدات والقرى التي وصفت بالشوارع المضاءة من المال العام والبيوت المطفأة نتيجة العجز عن سداد الفواتير، لم يكن بالإمكان لدى هذه العائلات استخدام الطاقة الكهربائية كمصدر بديل للتدفئة لا بالتحايل ولا عن طريق تراكم الفواتير، فهناك حديث عن ظواهر أخرى ابتدعتها عائلات أردنية قضت شتاء هذا العام تتدفأ على زيت السيارات المحروق وعائلات أخرى تدفأت على النفايات بعد تجفيفها.

مشاعر النقمة الاجتماعية تتراكم في الوعي الجمعي للناس حينما يصل الى إدراكهم ان "الدولة قادرة لكنها عاجزة"، وحينما تتكون لديهم قناعة انه مقابل كل قصة نجاح هناك ألف مثال للفشل، وتتأكد هذه المشاعر حينما يلمس الناس أن الحديث عن التمكين يبقى مجرد حديث وقصة للاستهلاك الإعلامي، بينما يُمارس الحرمان ممارسة، حينما يرى الناس شوارع الدولة مضاءة وبيوتهم مطفأة وموحشة.

التنمية الوطنية بحاجة إلى فكر جديد يعيد تأهيل الخيارات الوطنية ويكون بحجم التحديات المصيرية، وإدارة الندرة الحكيمة لو توفرت خلال الفترة الماضية كانت كفيلة باستبدال الهدر التنموي بمشاريع عملاقة تعيد بناء الدولة بسواعد أبنائها.

في العمق الاجتماعي للازمات الاقتصادية تنمو مشاعر النقمة المرشحة لاحتمالات كثيرة، حيث تجد القواعد الاجتماعية العريضة أنها تدفع ثمن مصائب الآخرين وتتم مكافأتها بالمزيد من الحرمان.

basimtwissi@hotmail.com

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »شكر للأعلامي الدكتور باسم الطويسي (عبدالله الدراوشه)

    الثلاثاء 6 آذار / مارس 2007.
    الحقيقه مره لما يعانيه ابناء المجتمع الاردني نتيجة ارتفاع البترول بصوره مذهله مما تسبب في الا عتداء من قبل المواطنيين على شبكة الكهرباء بطرق غير مشروعه مما اضعف التيار الكهربائي وتسبب ذلك في خسائر فادحه في الاجهزة الكهربائيه هذا من ناحيه ونتيجة قلة دخل المواطن الاردني الذي اصبح عاجز عن تسديد فاتورة الكهرباءوغيرها لأنه في حيره هل يوفر ابسط الاحتياجات الاساسيه لأبناءه ام يدفع فاتورة الكهرباء التي اصبحت حمل زائد على المواطن فشركة الكهرباء تفصل التيار الكهربائي عن المواطن وتضعه في امر الواقع ولاتقدر ظروف الارامل والايتام والمحتاجين حتى اصبحنا نلاحظ الشوارع مضائه والمنازل مطفئه واصبح المثل ينطبق على المواطن العين بصيره والأيد قصيره
  • »لا شفافية في طرح قضايا المواطن (العبادي)

    الأحد 4 آذار / مارس 2007.
    ما زلنا نفتقر الى الشفافية في طرح وهموم المواطن الاردني من قبل الحكومات المتعاقبة وما زلنا ككتاب ومثقفين وصحفيين نكتب بالشأن الاقليمي والدولي وننسى الهم المحلي الذي يحتاج الى عرض وتوضيح أكثر ولا اقصد حضرتك لربما تكون من اكثر من يطرح قضايا محلية بعمق وجرأة وموضوعية .
  • »هم المواطن بعيد عن هم الدولة (ليث خزاعي)

    الأحد 4 آذار / مارس 2007.
    انا من المتابعين دائماً لمقالاتك وبالاخص الجانب المحلي الذي تطرح فيه قضايا محلية غير مطروقة من الآخرين واؤكد ان المواطن الغلبان في محافظتنا وأتوقع في جميع محافظات المملكة جاء فصل الشتاء عليه بهموم لا تنتهي مع رفعةالاسعار في كل شئ من البنزين الى المواد التمونينية وينتظرون لحظات حلول فصل الصيف لعل الهم أخف وطأة ولم يلمس المواطن المسكيب اي حلول من الدولة رغم كثرتها لحل الازمة فكلما طالت الازمة سيكون هناك سرقة في الكهربا وستزيدمعدلات السرقة التي تطالعنا يومياً في الصحف للمحلات والبيوت وسيكون الوضع أسوأ ولست متفائلاً بالقادم لانه لن يكون احسن.
  • »تنمية فقيرة (اماني)

    الأحد 4 آذار / مارس 2007.
    عندما نفتقد للتنمية الحقيقية التي يشعر بها الناس في حياتهم اليومية وتنعكس على جوانب الحياة الاقتصادية رغم كل ما يحاط بنا من مشاريع تنموة ومنح دولية وتغطيات اعلامية تفوق حجم ما يحصل من تنمية ستبقى بيوتنا مطفئة وشوارعنا مضاءة لانها ملك الدولة وليس الناس
  • »مقالك رائع جدا (مصعب)

    الأحد 4 آذار / مارس 2007.
    أشكر الكاتب على مقالته الرائعة ..والت تعبر عن مدى خبرته في الحياة