د.باسم الطويسي

إرادات سياسية مسترخية

تم نشره في الجمعة 2 آذار / مارس 2007. 03:00 صباحاً

على خلفية التصاعد البطيء في خطاب حرية التعبير والحريات العامة الأخرى، وفي أجواء استحقاقات تشريعية كما يحدث لقانون المطبوعات والنشر هذه الأيام، تبدو هنالك مؤشرات عدة على حالة اقرب ما تكون الى الكسل السياسي ورفع العتب تمارسه جهات الدولة وأطرافها في الحكومة والبرلمان والأحزاب ومؤسسات المجتمع المدني وحتى قادة الرأي، يغلف ذلك شبه قناعة بأن الأسلم الركون لحالة الانتظار من جديد.

فما زالت فعاليات الدولة لا تقبل النظر الى قضية ذات خصوصية محلية غير الخصوصيات التي صدعت رؤوسنا في السابق وهي مركزية قضية حريات التعبير واولوياتها، ليس في مشروع الإصلاح الوطني وحده، بل باعتبارها أداة أساسية من أدوات حماية الأردن ولأنها الأداة الموضوعية للفرز بين مطالب الإصلاح السياسي والاقتصادي الوطنية، وبين الأجندات الإقليمية والدولية المشبوهة، وهي الوسيلة القادرة للخروج من الفوضى والارتهان ولعبة الانتظار التي لا تنتهي.

تبدو الثقافة السياسية المحلية اليوم تتشكل وفق ثلاث ارادات أولها إرادة المجتمع الأردني التي لا تملك إلا الترقب والانتظار على ما يكتنفها من تعددية وغموض، وإرادة الدولة التي تمارس الاختبار والمفاضلة لمزيج من عناصر القوة المتعددة والمتناقضة أحياناً وتلجأ في التعبير عن ذلك الى خطاب توافقي، وإرادة حالة الطوارئ التاريخية المستمرة في المحيط الإقليمي والدولي والتي يبدو أحياناً انها المقياس لحركة الارادات الأخرى.   

هذا النسيج من الأفكار والعصف الذهني المربوط ببعض مظاهر التوتر ليس بالجديد فهو حمال أوجه في المراحل السابقة وله غرف تحكّم في الخارج والداخل، ويتم استثماره من هذه الجهة أو تلك لمصالح آنية، ولقد أسهم وعلى مدى مراحل طويلة في تكوين ملامح الثقافة السياسية المحلية وتحديد اتجاهاتها وأزماتها الراهنة والمزمنة وحالة الاسترخاء الراهنة اليوم هي احدى مؤشرات هذه الحالة، فإذا كانت هذه الثقافة تشير إلى مجموع المعتقدات والاتجاهات التي تعطي نظاماً ومعنى للعملية السياسية وتقدم قواعد شبه مستقرة تحكم تصرفات الأفراد داخل النظام ومؤسساته، فإن حدود اللعبة وممارسة الأدوار داخل اطر هذه الثقافة باتت تصطنع في هذه الأثناء شكلا من الشرعية، يعتقد اللاعبون في إطاره بأنه صورة من صور التعبير الديمقراطي في ظل تراجع أو غياب المؤسسات والأطر الموضوعية للتعبير والممارسة السياسية.

إن مشروع الإصلاح السياسي الأردني له مداخل متعددة، وله في نفس الوقت عناصر ومقومات يبنى عليها، ويملك الاستجابة لمنهج الجدولة والتدرج، ولكن يبدو إن المهمة العاجلة التي لا تنتظر والتي تحتاج إلى وقت وتحتاج في نفس الوقت الى تراكم حقيقي تتلخص في بناء ثقافة سياسية جديدة تخرج وعي الناس أولاً وقبل غيرهم من حالة الانتظار والترقب وردود الأفعال، وتوفر قواعد واضحة وغير قابلة للمساومة والتفريط تلتقي عليها الاطراف الراغبة في الدخول في مسارات الحياة السياسية العامة والعنصر الحاسم في كل هذه الملفات وشرطها التاريخي أيضا توفر ضمانات حقيقية تشريعية وثقافية ومجتمعية تضمن حريات التعبير قبل أي شيء آخر.

قد لا يكون قانون المطبوعات والنشر هو سقف الطموح الوطني في هذا المجال، وقد لا تكون هناك حاجة لهذا القانون بأكمله في المستقبل، فمسار التطور التاريخي لقضية حريات التعبير أقوى من التشريعات حينما يتم ربط مسار هذه القضية بفرز واضح للمصالح الوطنية التي تتحول الى جذور ثابتة لا يمكن تجاوزها، هذه الحريات هي بيت الأسرار الحقيقي لهيبة الدولة، وهي قبل هذا وذاك الأساس الموضوعي لحماية الدولة الأردنية.

basimtwissi@hotmail.com

التعليق