العراقيون في الأردن

تم نشره في الأربعاء 28 شباط / فبراير 2007. 03:00 صباحاً

تعاملنا جميعا في الاردن، مواطنين وحكومات، مع الاشقاء العراقيين خارج اطار حسابات التجارة والاقتصاد. فهذا الشعب العربي يتعرض، منذ بداية التسعينيات، الى محنة كبيرة اضطرته الى مغادرة بلاده. ولولا الظروف القاهرة لما اقدم اي عراقي على الهجرة وترك ارضه ووطنه.

ومن منظور عربي اسلامي وانساني، فهؤلاء الاشقاء لهم حق على كل عربي بمساعدتهم على تجاوز هذه المرحلة؛ فالحصار ثم العدوان والاحتلال، وغياب الامن والاستقرار، اجبرت ملايين الاشقاء على الهجرة؛ ليس الى الاردن فقط، بل إلى دول عربية اخرى، مثل سورية ولبنان ومصر واليمن ودول الخليج.

وخصوصية تعاملنا مع العراق ان هذا البلد قدم واجبه نحو أمته حتى وهو في اشد المراحل صعوبة، وكان ثغرة عربية صادقة دافع عن قضايا الامة عبر العقود، ولنا معه نحن الاردنيين سجل عربي، تبادلنا فيه تقديم العون السياسي والاقتصادي والشعبي.

الاشقاء العراقيون مقسمون الى فئتين: الاولى، فقيرة تطلب الامن ومصدر الرزق، واخرى غنية ذات ثروة واقتدار. ولأن العلاقة خارج اطار حسابات الاقتصاد، فقد استقبل الاردن، منذ عقود، مئات الآلاف من الاشقاء من غير اصحاب الثروة. وبعد الاحتلال، كانت نسبة كبيرة من القادمين من اصحاب المال، وهم الآن يشكلون حالة اجتماعية واقتصادية في عمان؛ إذ اشتروا الاراضي والفلل والشقق، وانشأوا اعمالا تجارية. وهذا استحقاق طبيعي للأعداد الكبيرة وتصنيفها الاقتصادي.

ووجود الاشقاء في الاردن خارج حسابات السياسة او العلاقات مع الحكومة في العراق، وبالتالي فإن فتح ابواب المدن العربية للمهاجرين او المهجرين من بلادهم واجب عربي. لكن هذا لا يلغي ان بلدا صغيرا مثل الاردن تتأثر امكاناته بالهجرات الكبيرة التي تصل الى مئات الآلاف، او ما يقارب ثلاثة ارباع المليون، فنحن هنا نتحدث عن زيادة اضطرارية في السكان تصل الى اكثر من 10% من تعدادهم، وهنالك بنية تحتية ليست مصممة لتحمل هذه الطفرة السكانية، فضلا عن المياه والكهرباء والطرق وحتى المدارس، ما يقودنا الى جانب آخر في قضية الاشقاء؛ جانب لا يناقش فكرة وجودهم او عدمها، بل يتمثل في دراسة الابعاد الفنية والاقتصادية.

فالاردن كدولة ذات امكانات محدودة يؤدي واجبه القومي من جهة، لكن العراق ملف دولي تعرض لاحتلال وسياسات ظالمة، وهنالك آثار لهذا الاحتلال يتحملها المجتمع الدولي. فليس معقولا ان تمارس اميركا عدوانها ويدفع العراقيون ثمن هذا تشريدا وهجرة، كما يتحمل الاردن ثمن هذا وهو الذي يسعى إلى تعزيز قدراته وجلب المساعدات، ويدفع الاردنيون ثمنا من كأس الماء وازدحام الشوارع والمدارس وأسعار الشقق.

الحكومة اعلنت قبل ايام انها بصدد التعاقد مع هيئة نرويجية "معروفة ولها خبرة طويلة"، كما تقول الحكومة، من اجل اجراء مسح شامل للعراقيين في الاردن؛ أي التعرف على اعدادهم وتصنيفاتهم، ومن يقيم منهم بشكل مؤقت استعدادا للسفر، او الزوار، او الموجودون بشكل شبه دائم. وهذا يعني بوضوح ان الحكومة، والحكومات السابقة من قبلها، لم تتعامل بشكل علمي ودقيق مع تدفق الاشقاء العراقيين، ولهذا لا نجد رقما دقيقا ولا معلومات وافية! اي ان كل ما فعلته الحكومات هو فتح الحدود وختم الجوازات، من دون أن يمارس أحد مراجعة وإحصاء، او اجراء اي دراسة. ولو كان لدى الحكومة اي معلومات حقيقية او دراسات لما اعلنت انها ستستقدم من النرويج هيئة ذات خبرة طويلة، ما يؤكد انها لا تخفي معلومات او تصطنع قلة المعرفة.

وحين تفتقد الحكومة ارقاما ومعلومات دقيقة، فإنها تكون عاجزة عن ممارسة اي تحرك نحو الجهات الدولية من اجل ان تقوم هذه الجهات بواجبها في مساعدة الاردن. لكن هذا الاعتراف الحكومي او قصور المعلومات وضبط ايقاع تأثير هذه الهجرة داخليا يدفعاننا إلى التساؤل عن الدور الذي تمارسه الجهات المعنية، من وزارات وإدارات ومسؤولين. واذا كانت كل هذه الجهات لا تدرك درس حساب في معرفة القادم والداخل في زمن الكمبيوتر والحكومة الالكترونية، فما الذي تفعله هذه الجهات، لا سيما وأنها تعلم ان الحرب في اي دولة مجاورة تترك آثارا علينا؟

حكاية الاشقاء العراقيين تقودنا ايضا الى عجز الحكومات عن امتلاك رقم متفق عليه ودقيق لأعداد العمالة الوافدة. وهذه حكاية تتعلق بالقدرات المنهجية في التعامل مع مشكلاتنا؛ فالإحصاء او امتلاك ارقام دقيقة لم يعد اختراعا، بل هو ادنى الواجبات.

نتمنى دائما ان يبقى الاردن واحة امن واستقرار لشعبه واشقائه، لكن واجب الحكومات ممارسة عملها؛ فكما تفتح الابواب للاشقاء، عليها ان تمتلك المعلومة حتى لا يدفع الاردن والاشقاء العراقيون ثمن الاحتلال الاميركي وفشل سياساته.

sameeh.almaitah@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »افتراء على العراقيين في الأردن (عريب الهمام)

    الأربعاء 28 شباط / فبراير 2007.
    العراقيون سواء ايام صدام او بعد الحرب كان ومازال لهم دور ايجابي في دعم الحياة اثقافية ورفع مستوى الإستمثارات في الأردن. السؤال يوجه للحكومة. عندما يدخل ميزانية الدولة هذا الكم الهائل من الدولارات من العراقيين, كيف تجرؤوا ان ترفعوا الضرائب وتقللوا الدعم للمحروقات بحجة الضرورة ومن ثم يروج لكذبة الدور العراقي في المصاعب الإقتصادية في اللتي يواجهها الأردنيون؟
  • »مقال رائع..ولكن!!!!!!!!! (مصعـــــب)

    الأربعاء 28 شباط / فبراير 2007.
    المقال رائع جدا ..أشكــرك..ونتمنى مزيدا من المقالات ارائعة منك يا أستاذ سميح المعايطــــة..
  • »ردود افعال 2 (محمد)

    الأربعاء 28 شباط / فبراير 2007.
    اما بالنسبة للعمالة الوافدة فمن المفروض ان يشملهم نظام الضمان الاجتماعي بحيث لايتم تشغيل اي عامل اوموظف سواء اردني او وافد دون "رقم ضمان اجتماعي" و هذا ليس اختراع فجميع الدول المتحضرة تطبق هذا القانون مما يسمح بمزيد من المرقبة سواء لحقوق الحكومة او الشركة او العامل/الموظف (وهو ما نعانيه الان من اتهامات من المنظمات الدولية بالنسبة لحقوق الموظف).
    الاصح ان تقوم الحكومة بغيير من الجذور يشمل قانون العمل و الجوازات و الضمان الاجتماعي و ليس كاف الاعتماد على ردات الفعل التي تكون متأخرة و عادة بدون فائدة تذكر.. فما هي تكلفة اللجنة الاوروبية لاحصاء العراقيين و اين ستبحث عنهم و كيف ستجدهم؟
  • »ردود افعال (محمد)

    الأربعاء 28 شباط / فبراير 2007.
    جميع انشطة الحكومة و المؤسسات العامة في الاردن ناجمة عن ردود فعل و ليس افعال و الامثلة على ذلك كثيرة ابتداءا من مشكلة العراقيين و العمالة الوافدة الى مشاكل البطالة و التضخم و التي يمكن السيطرة عليها او التنبؤ بحودثها عبر اجرائات وقائية بسيطة اذا ما قورنت بالنتائج!
    صحيح انه كان من المفروض حصر الوافدين من حيث العدد و الجنسية لكي يتم اخذ التدابير الازمة. و لكن غلاء الاراضي و اسعار الشقق سببه السماح لغير الاردني بالتملك بدون شروط تذكر! معظم البلدان العربية لاتسمح بالتملك لغير مواطنيها و هذا هو الاساس! و ان كان لابد من السماح بذلك لاسباب سياسية فكان الاصح ان توجه هذه العداد من العراقيين الى المناطق التي تحتاج الى تنمية مثل الشمال و الشرق و الجنوب و ذلك للاستفادة من "استثمارات" العراقين حيث نحتاج و ليس عبر منافسة الاردني في بيته!
  • »حلم العودة لمغترب اردني تبخر (سلام)

    الأربعاء 28 شباط / فبراير 2007.
    كثر الحديث عن العراقيين في الأردن لدى الكتاب والصحفيين، أن ما يقدم لهم واجب عربي، وهذا صحيح وعلى الراس والعين، ولكن لماذا لا يتم الحديث بوضوح عن التأثير الكبير الذي تركه وجودهم على الشعب الاردني الذي أصبح يعاني ويلات جحيم الأسعار بعد قدوم أصحاب الملايين الى عمان، وأين كانت الحكومة عندما غاب اي تفكير استراتيجي في مدى تأثير هذه الأموال التي بيع بها الأردن على حياة الفرد العادي. والذي يحز في النفس أن الاردني المغترب الذي يجدول رجوعه الى بلده بحد تجميع سعر الشقة والسيارة أصبح مفروضا عليه 10 سنوات غربة على الأقل ليستطيع مجاراة الارتفاع الهائل في ثمن الحلم الذي ترك بلده من جله.
  • »شكرا للأردن (د.سعد ابراهيم - عمان)

    الأربعاء 28 شباط / فبراير 2007.
    ليس غريبا على الأردن ولا على جلالة الملك المعظم هذا الموقف العربي الأصيل، فكلاهما غني عن المديح وليسا بحاجة لشهادتي او اي شهادة اخرى. ان معظم العراقيين يشعرون مدى الحرج الذي يسببوه للاردن نتيجة التدفق الكبير والعشوائي للعراقيين ودون بوادر توقف او تناقص؛ تدفق يومي كبير ومستمر.
    شيء واحد اود ذكره وانا متأكد من انه لا يغيب عن اذهان المسؤولين الأردنيين وهو ان معاناة العراقيين للوصول الى الأردن، سواء عن طريق البر وهو الأكثر صعوبة او عن طريق الجو، كبيرة جدا ناهيك عن الكلفة العالية التي يتكبدها المسافرين وهم عادة عوائل كامله. عامل آخر هو ان العديد من العراقيين يشعرون بالأذلال في النقاط الحدودية، لا بسبب تعامل الموظفين وانما لشعورهم بانهم غير مرغوب فيهم(منبوذين!).
    كل ما اتمناه هو ايجاد صيغة تقلل من معاناة العراقيين في النقاط الحدودية وربمامن الأفضل الحصول على موافقات اولية قبل الشروع بالسفر. كذلك من الممكن توزيع العراقيين على المحافظات الأردنية.
    شكرا لجلالة الملك ولكل الأشقاء ألأردنيين لضيافتهم ايانا. ان شاء الله سيعود الأمن للعراق بجهود الخيرين وسيكون العراقيون اوفياء لأشقائهم.
  • »تعريفنا للاخوة العراقيين (محمود الدباس)

    الأربعاء 28 شباط / فبراير 2007.
    بداية فإن موضوع الاخوة العراقيين تم التعامل معه بطريقة الفزعة وهنا اجدها فزعة مقبولة وايجابية من قبل الشعب والحكومة بالنظر لعلاقاتنا المميزه مع الاشقاء العراقيين 0
    الا اننا كدولة غقلنا عن انعكاسات مهمة لهذه الهجرة القسرية شكلت بمجملها تغيرا شاملا على ديمغرافية الاردن شئنا ام ابينا فالاخوة العراقيون وجدوا بالاردن المأمن والملاذ 0
    وانني اذ اشير الى تعريف وجود العراقيين في الاردن من وجهة نظر موضوعية اي يتم التعامل معهم على انهم طالبي لجوء فروا من مناطق صراع وغياب الامن ام انهم جاؤا للاردن للاستفادة من المناخ الاقتصادي الملائم فإن كان السبب الاول فإن ذلك يستدعي طريقة تعامل مختلفة مع هذه الهجرة وفق مقاييس الوكالة الدولية لرعاية اللاجئين بحيث لايتم اي انعكاس سلبي على حياة المواطنين جراء هذا العدد الكبير الذي حل ضيفا علينا وبالتالي ما يتطلبه من استعداد لوجستي وعلى مستوى البنى التحتية والخدمات الاخرى
    اماإن كان السبب الثاني وهو للتجارة فإن طريقة التعامل لابد ان يحكمها المنطق التجاري وبالتالي الحفاظ على مصالح المواطنين وعدم تكبدهم الارتفاع في اسعار كل شيء بيد أن الحكومة حفظة حقهامن الضرائب
  • »مجير ام عامر (طلب الجالودي)

    الأربعاء 28 شباط / فبراير 2007.
    تحيه طيبه
    نحن في الأردن كنا وما زلنا شعب شهم كريم مضياف يؤمن بقضايا أمته ويؤمن بقوميته العربية ودينه السمح بحيث اصبح بلد الأنصار و ملاذا أمننا لكل المهجرين العرب والمسلمين الذين هاجروا من ديارهم قسرا اوطواعيه , رغم شح موارده وإمكانياته , وأكثرهم حصل على الجنسية الأردنية واندمجوا في النسيج الوطني ,وصرنا نعرف بأننا بلد شعبه من شتى الأصول والمنابت , وحتى احتفاظ بعضهم بمشاعره القومية تجاه بلدة آلام,لم يشكل مشكلة لدى الأردنيين بل لاقى تفهما وقبولا ,رغم وجود ازدواجه في الولاء والانتماء .
    إن الاخوة العراقيين ينطبق عليهم ما ينطبق على غيرهم مما سبق وهم مرحب بهم في بلدهم الثاني حتى يفرجها الله عليهم , ولكن التساهل في منح الجنسية الأردنية في بعض الأحيان لبعض المهاجرين قد يشكل خطرا استراتيجيا وقنبلة موقوتة على المجتمع الأردني مستقبلا.
    وقى الله الأردن من كل مكروه

    مع أطيب تحياتي
  • »Blogs (bashar Juneidi)

    الأربعاء 28 شباط / فبراير 2007.
    أتفق مع رأيك في كل ما قلته

    إسمح لي أن أطلب منك أن تكتب عن موضوع آخر وهو قضية المدون (Blogger) المصري كريم والذي تم اعتقاله بسبب آراءه عبر الإنترنت....
    المدونات (Blogs) هي الفضاء الذي يتحرك في المواطن العربي للتعبير عن رأيه وممارسة حقه في التعبير ولو جزئي فلا تقمعوا المواطن العربي أكثر مما هو مقموع فأيام التحكم والسلطة ذهبت ولن تعود أبداً ً
  • »وما ادراك ما شغل الحكومة (حسين)

    الأربعاء 28 شباط / فبراير 2007.
    الحكومة مشغولة بحساب الضرائب الاضافية التي توضع على فواتير الماء والكهرباء دون سابق انذار. مشغولة باضافة رسوم الجامعات على فواتير الهواتف. مشغولة بحساب ضرئيبة المبيعات، مشغولة بمبيعات الحواسيب للمدارس النائية. مشغولة بتدبير رواتب البطالة المقنعة في الجهاز الحكومي. مشغولة بتلميع صورتها عملا بالحكمة القائلة: تستر بالسخاء فكل عيب يغطيه كما قيل السخاء واخيرا رحم الله سعد زغلول
  • »العراق والاردن والعقار (عامر العطمة)

    الأربعاء 28 شباط / فبراير 2007.
    مشكور عم سميح عالمقال الرائع....
    يعني بصراحة العراقيين اخوانا وجماعة ما قصرو مع بعضنا..لكن، انا شو ذنبي كمواطن اردني ما ألقى مكان أسكن فية...شو ذنبي ما أقدر حتى أستئجر بيت...الاردن كدولة عمرها ما فكرت بالمواطن...دائما هدفها ارضاء المجتمع الدولي والخروج بصفة الانسانية وهذا شرف لنا لكن ليس على حساب وجودنا....حتى الشعب الاردني اكتسب هذه العادة من الدولة فتراه محب لكل غريب ويكرم الغرباء ويعتبرهم نازلين من السما...وين الاستثمارات اللي بيردحولنا فيها...اللي كان عنده 10 مليون صارلو ثلاثين مليون...واللي كان جائع مات من الجوع...هذه خطيئة الدولة التي أعادت مواطنها للقرون الوسطى...شكرا يا اردن
  • »ولاحول ولاقوة (عثمان الدويكات)

    الأربعاء 28 شباط / فبراير 2007.
    نشكر الإخوة العراقيين على دعم الإقتصاد الأردني بمليارات الدولارات واللتي كان من شانها وفي اي وضع طبيعي تحقيق نموا اقتصادي هائل يستفيد منه الأردنيون جميعا والعراقيون في الأردن. ولكن لأسباب تعود متعددة, انقلبت النعمة الى نقمة ولم يرافق ارتفاع الأسعار في الأردن بتحسن في الدخل او هبوط في الضرائب او ارتفاع في مستوى الدعم للمحروقات او غيرها من اساسيات الحياة.