صعود سيجولين رويال المرفوض

تم نشره في الأربعاء 28 شباط / فبراير 2007. 03:00 صباحاً

منذ شهرين أجمعت الدوائر السياسية المطلعة في باريس على أن السباق الرئاسي لايزال مفتوحاً، إلا أن سيجولين رويال كانت المفضلة بصورة واضحة. ولكن يبدو أن العكس أصبح هو الصحيح اليوم. وعلى الرغم من أن السباق لم ينته بعد، إلا أن نيكولاس ساركوزي برز مؤخراً باعتباره المرشح الأفضل في استطلاعات الرأي، حتى بين أولئك الذين أعلنوا هزيمته الوشيكة في أوائل شهر ديسمبر/كانون الأول الماضي.

ونستطيع أن نصف الإجماع الحالي على النحو التالي: سيجولين رويال لا تستطيع أن تهزم نيكولاس ساركوزي، إلا أن ساركوزي قادر على إلحاق الهزيمة بنفسه.

ولكن تُـرى ما هي الأسباب التي جعلت المرشحة الاشتراكية، وأول امرأة تحظى بفرصة حقيقية لانتخابها رئيسة لفرنسا، تهبط على هذا النحو السريع من منزلة القبول لدى الناس؟ وما هي الأسباب التي جعلت ساركوزي قادراً على الصمود إلى هذا الحد، على الرغم من العواطف السلبية التي كثيراً ما تستثيرها شخصيته؟

إذا هُـزِمَت سيجولين رويال فلن يكون السبب في فشلها أنها امرأة، بل إنها سوف تهزم على الرغم من كونها امرأة. إن الفرنسيين مستعدون لتقبل امرأة في هذا المنصب، ولكن ربما ليس هذه المرأة بعينها. إنها تتمتع بقدر كبير من الجمال والنشاط والعزيمة، وهي مدهشة على أكثر من نحو. إلا أننا سنجد أن مواقفها فيما يتصل بقضايا مثل القانون والنظام، واحترام السلطات، والوطنية، بعيدة كل البعد عما قد ينتظره المرء من مرشح اشتراكي.

لقد فشلت رويال حتى الآن في حشد معسكرها خلفها. كما كانت حملتها الانتخابية المؤلفة من تركيبة من الاستبدادية والاضطراب، إن لم يكن العجز المحض، سبباً في إحباط معنويات مؤيديها والتأكيد في ذات الوقت على التحفظات العميقة من جانب معارضيها. والحقيقة أن العديد من الفرنسيين، بصرف النظر عن ميولهم السياسية، يشعرون وكأن رويال مجرد "هاوية" تواجه منافساً "محترفاً". فبينما تمكن ساركوزي من فرض نفسه على اليمين من دون تأييد من جانب جاك شيراك، فإن أصحاب الثقل السياسي على الجانب الاشتراكي يجدون صعوبة كبيرة في إقناع أنفسهم بشكل كامل بالوقوف خلف رويال. إن هزيمتها سوف تكون هزيمة لهم أيضاً، إلا أن حنقهم بسبب خسارتهم للترشيح لمصلحتها كان حتى الآن أشد من غريزة البقاء السياسي لديهم.

لقد تبين أن تأكيد رويال المستمر على مبدأ ديمقراطية المشاركة ـ "قل لي ماذا تريد ولسوف أكون الناطق باسمك" ـ يتمتع حتى الآن بقدر محدود من الجاذبية. فالناخبون يحبون أن يستشاروا، والمواطنون يحبون التعبير عن أنفسهم، إلا أنهم يريدون زعيماً في المقام الأول والأخير، يريدون شخصاً يستحق ثقتهم. أو أنهم بعبارة أخرى لا يريدون مجرد أذن مستقبلة، بل إنهم في حاجة إلى شخصية مطمئنة وقديرة وجديرة بالثقة.

الآن وقبل شهرين من التصويت أثبتت الحملة الانتخابية أن تحديث، إن لم يكن "أمركة" السياسة الفرنسية (على سبيل المثال، الاستخدام المكثف لشبكة الإنترنت) أصبح يشكل سمة أساسية غالبة. إلا أن الحملة أثبتت أيضاً قدرة "السياسة التقليدية" على الصمود. وربما تكون رويال قد قدمت نفسها باعتبارها سياسية من عصر "ما بعد الحداثة"، إلا أنها في ذات الوقت سياسية "تقليدية" تبدو قادرة على تحقيق النصر.

وفي نفس الوقت تمكن ساركوزي من البروز كزعيم طبيعي لجناح اليمين، ويرجع ذلك جزئياً إلى أن شيراك كان أقل ثقلاً مما يتصور العديد من الناس، بما فيهم الخبراء. وقد يبدو العكس صحيحاً، وهو الأمر الذي ربما يعكس ميل الناخبين الفرنسيين إلى تبني نظرة إيجابية للرؤساء المغادرين.

والحقيقة أن شيراك ذاته تمكن من إدارة رحيله على نحو لا يخلو من الكياسة والرشاقة، حيث قدم نفسه تحت أفضل ضوء ممكن من خلال ثقته الشخصية في الذات وخطاباته الشعبية. إن الأمر يبدو وكأن فرنسا أصبحت الآن أسيرة لنوع من الكرم الذي يتسم بالحنين إلى رئاسة أحاطت بها الشكوك والسخرية. إن شيراك لا يعتزم تقديم نفسه كمرشح لإصابة معسكر المحافظين بالانقسام، كما أن الحس المتسامح الجديد الذي يحيط الآن بسجله قد يفيد في واقع الأمر خليفته المتلهف المتمرد ساركوزي.

على الرغم من كل ذلك إلا أن جبهة معارضة ساركوزي لا تزال قوية، وليس فقط بين الأقليات والشباب، الذين سجلوا أنفسهم للانتخاب بأعداد هائلة بغرض معارضته ومقاومة استخدامه المكثف لقوات الشرطة في الضواحي. ربما يكون "نابليون بونابارت" على وشك أن يحقق نصراً سهلاً على "جان دارك"، كما يحب بعض المعلقين الأجانب وصف المرشحين الأساسيين للرئاسة الفرنسية، إلا أن الخصائص "النابليونية" التي ربما يتسم بها ساركوزي تغذي شعوراً قوياً بالخشية وترقب الشر.

الحقيقة أن استمرار التحفظات القوية بشأن رويال وساركوزي يساعد في تفسير تصاعد شعبية مرشح ثالث، وهو فرانسوا بايرو، السياسي الوسطي التقليدي المناصر لأوروبا. ربما تكون الرياح الآن مواتية لبايرو أكثر من أي وقت مضى، ولكن من دون الانهيار غير المرجح لواحد من المرشحين الأساسيين، لن يتسنى له التأهل للصعود إلى الجولة الثانية.

في هذا العصر الذي تهيمن عليه أجهزة الإعلام، أصبح للشخصية أهمية تفوق أهمية البرنامج الانتخابي، أي أن اليد العليا أصبحت للاستبعاد وليس للاختيار والانتقاء. ويبدو أن هذه العملية تصب في النهاية في مصلحة ساركوزي. وربما ترفع بعض دوائر المجتمع الفرنسية شعار "أي شخص غير ساركوزي"، ولكن تحقيق هذا الشعار يتطلب وجود بديل جدير. وحتى الآن فشلت رويال في لعب هذا الدور.

دومينيك مويزي مؤسس وكبير مستشاري المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية (Ifri)، وأستاذ بكلية أوروبا في ناتولين بوارسو.

خاص بـ"الغد" بالتنسيق مع بروجيكت سنديكيت

التعليق