إبراهيم غرايبة

الجماعات البدائية المتسترة بالحضارة

تم نشره في الأربعاء 28 شباط / فبراير 2007. 03:00 صباحاً

لم تستطع الحضارة والنهضة العلمية والفنية أن تمنع أصحابها من الخوض في حروب بدائية متوحشة على الشعوب والمجتمعات والدول، فالغرب (المتحضر) احتل ثلاثة أرباع العالم وأباد شعوبا عن بكرة أبيها ودمر دولا ولغات وثقافات ومجتمعات واستعبد وقتل مئات الملايين، وكانت حروبا يمكن تجنبها من دون إضرار بالمصالح السياسية والاقتصادية والتقدم العلمي للغرب، ولكنها حروب لأجل التخلف ومنع الآخرين من التقدم، برغم أنه تقدم لا يضر الغرب ولا يؤذي مصالحه قيد أنملة.

ولاتزال الحروب نفسها يجري خوضها بلا سبب سوى تدمير الآخرين لأجل التدمير وليس لحماية مصالح الغرب أو لحمايته من تهديد محتمل أو واقعي، وفي كتابه "الحرب الكبرى تحت ذريعة الحضارة" يعرض باتريك سيل الدعاوى الإمبريالية الغربية نفسها والتي لم تتغير سواء في غزو العالم في القرن التاسع عشر أو في غزو العراق وأفعانستان في القرن الحادي والعشرين، والتي تجاهلت بعنجهية تطلعات الشعوب إلى الحرية والاستقلال ورفضها للاحتلال، وإصرار الغرب المتواصل على ارتكاب جرائم الحروب وانتهاك حقوق الإنسان وقتل المدنيين والنساء والأطفال بوحشية بدائية، وبلا أدنى احترام أو شعور بالهيبة تجاه الحياة الإنسانية.

في عام 1953 وجدت الولايات المتحدة في تأميم شركة النفط (AIOC) سببا كافيا للتدخل العسكري في إيران وإنهاء حكومة مصدق، ولم تتغير طريقة التفكير عام 2003 أي بعد خمسين سنة عندما قام المحافظون الجدد الذين يحكمون الولايات المتحدة الأميركية بغزو العراق لأجل تغيير النظام السياسي هناك.

وكان الموظفون البريطانيون يعتقدون أن السيطرة على بلاد ما بين النهرين تؤمن مصالحهم في النفط الإيراني، وقد صُمم احتلال البصرة ليحقق هذا الغرض، ولكن تشكلت فكرة بدأ يدركها الجميع حتى الصحافيين، مفادها أن مشاريع بريطانيا للعراق قائمة على أوهام.

وهكذا وجدت بريطانيا بعد ستة أشهر من احتلال العراق نفسها في مواجهة ثورة شاملة، واعتبر الموظفون البريطانيون في العراق أن المسؤول عن العنف في العراق اضطراب سياسي قادم من خارج العراق، وأن سورية قد تكون متورطة فيما يحدث في العراق، ويمكن بسهولة أن تقرأ الادعاء الأميركي نفسه بعد 83 سنة.

وجرى قتال في مدينة الكوفة وحصار بريطاني للنجف بعد قتل أحد الموظفين البريطانيين، ولم يرجع ويلسون ذلك إلى القومية، بل إلى الفوضى والتعصب، ويمكن اليوم بسهولة أن تقرأ بدلا من الكوفة عام 1920 الكوفة 2004، وبدلا من النجف 1920 اقرأ النجف 2004، وبدلا من يزدي 1920 إقرأ آية الله علي السيستاني الكبير 2004، وبدلا من البدر 1920 اقرأ مقتدى الصدر 2004، وبدلا من "الفوضى والتعصب" 1920، اقرأ "بقايا صدام والقاعدة" 2004.

ونشب تمرد آخر في منطقة الفلوجة، حيث قتل الشيخ ضاري (حفيده الشيخ حارث الضاري الذي يرأس اليوم هيئة علماء المسلمين في العراق) الكولونيل جيرالد لكمان، وقطع خط السكة الحديدية بين الفلوجة وبغداد، فتقدم البريطانيون نحو الفلوجة وكبدوا القبيلة "قصاصا ثقيلا"، ويعرف موقع هذه المعركة اليوم باسم "خان الضاري" وتكبد البريطانيون 450 قتيلا في التمرد العراقي، وأكثر من 1500جريح، وفي ذلك الصيف قدرت .إ. لورانس نتائج البطش البريطاني "بقتلهم حوالي عشرة آلاف عربي".

وفي عام 2003 شهد الموقع نفسه مقتل أول جندي من قوات الاحتلال الأميركي بقنبلة على جانب الطريق، وتحولت الوعود البريطانية ثم الوعود الأميركية بالحرية ودعاوى ترحيب الناس بالبريطانيين والأميركيين إلى عمليات واسعة من الغضب والانتقام، ولجأ الأميركان إلى قصف جوي لا يميز بين المدنيين والمقاتلين، ودمرت البيوت والقرى، وأبيد مشاركون في حفل عرس بإحدى القرى على الحدود السورية العراقية، وحدث الأمر نفسه في إحدى قرى أفغانستان، وقصفت المساجد، وقتل من لجأ إليها، وأجهز على الجرحى بدم بارد.

ibrahim.gharaibeh@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »دموية حضارية (د. يوسف بشارة)

    الأربعاء 28 شباط / فبراير 2007.
    كلام جميل يلخص دموية المحور الأنجلو-صهيوني.
  • »جل من لا... يقرا (زيد)

    الأربعاء 28 شباط / فبراير 2007.
    مؤلف الكتاب، أجلك الله، هو روبرت فيسك وليس باتريك سيل. وان مرت عليك، فكيف لم يلتقطها باقي المحررين، وجل من لا يسهو