د.باسم الطويسي

ورجعت إلى عادتها القديمة

تم نشره في الأحد 25 شباط / فبراير 2007. 03:00 صباحاً

أقسى ما تشير اليه المطالبة المتجددة بعودة وزارة الإعلام هي ان إنجازات الإصلاح في الأردن غير مقنعة وغير مستقرة وليست تراكمية، وكأن العملية هدم لا يرافقها ولا يتبعها بناء. فالعودة الى الصيغة التقليدية لوزارة الإعلام تعني انتكاسة وصفعة قاسية لجهود إصلاح الإعلام في الأردن بغض النظر عن الجهة المطالبة بها؛ المشكلة القائمة بالفعل ان المؤسسات التي قامت وورثت الوزارة منذ سنوات لم تستطع أن تقدم نماذج مقنعة ولو بالحد الأدنى المطلوب، دالة على دورها في عملية الإصلاح، ولم تكن قادرة على ملء الفراغ المعنوي الذي تركته وزارة الإعلام السابقة.

مرة أخرى ليست المشكلة في عملية تحرير قطاع الإعلام، والتي تمت لدينا رمزيا بالتخلص من الوزارة العتيدة، بل في الفراغ الإصلاحي الذي لم يتم التقدم نحو ملئه منذ سنوات في الجوانب المجتمعية والمؤسسية والتشريعية، الأمر الذي خلق بيئة إعلامية غير مستقرة ودائما في حالة انتظار وارباك، ما يجعل المطالبة بالعودة الى الأحوال السابقة لها مريدوها ولهم مسوغاتهم أيضا، وكلما استمر تراكم هذا الفراغ استمرت هذه الصيغة، وفي المقابل تبقى فرص الانتكاسة والتراجع هي الأكثر حضورا.

احد مظاهر أزمة الإصلاح السياسي في الأردن يبدو في اتفاق أطراف الدولة والمجتمع في حصر هذه الأزمة والعملية الإصلاحية بأكملها بالأطر التشريعية وحدها على أهميتها. لكن بالتجربة المحلية وبتجارب الآخرين - في جهات متعددة من العالم- فإن اختصار الإصلاح السياسي تحديدا على الأطر التشريعية يمثّل احد أسباب إعاقة الإصلاح وأحد أسباب المراوحة وعدم التقدم حتى في التشريعات نفسها. فلا يمكن خلق إصلاحات سياسية حقيقية قابلة للحياة والاستمرارية من دون توفر بيئة مجتمعية وثقافة سياسية تنطويان على الحد الأدنى من حريات التعبير وتقاليدها، والتي من خلالها يمكن للمجتمع والدولة إنضاج التطور الطبيعي؛ فحرية التعبير هي الوعاء الذي يحمل جسد الإصلاح ويحميه أيضا، ومن خلالها يمكن إنضاج الإصلاح ومن دون هذا النمط من الحرية ستبقى ألعاب الطرشان والعميان هي السائدة، وفي كل مرة ستعود حليمة الى عادتها القديمة، مرة وزارة إعلام، ومرة رقابة مسبقة، وأخرى مطبوعات ونشر وهكذا.

يشكل الإصلاح الإعلامي حبل الصرة الحقيقي للإصلاح السياسي وأولوية أساسية لا تسبقها أولوية أخرى. فإصلاح الإعلام وتوطين حريات التعبير سيصل الى المربط الصحيح لخيولنا المتعبة والمتمثل من دون شك في الفرز الواضح بين قوى الإصلاح الوطني وأجندات الإصلاح الإقليمي والدولي.

تندرج أمثلة من مختلف أنحاء العالم على ضعف مساهمة وسائل الإعلام حينما لا يأخذ دورها الإصلاحي محمل الجد في التهيئة لعملية التحول الديمقراطي، في ضوء استمرار سيطرة الحكومات على هذه الوسائل. ففي دول افريقية وآسيوية تسير باتجاه التحول المحدود نحو الديمقراطية لا توجد علاقة ارتباطية ذات دلالة ايجابية بين انتشار التقانات الاتصالية والديمقراطية، واتساع قاعدة المشاركة السياسية.

وفي الأردن لم يكن لوسائل الإعلام فيما قبل عام 1989 أي دور يذكر في التهيئة للتحول الديمقراطي، بل لعبت وسائل الإعلام المملوكة من قبل الحكومة أحد الأدوار في إعاقة الديمقراطية حينما كانت تحرض على استمرار الوضع القائم وأربكت في الطريقة التي تعاملت فيها مع بداية التحول الجديد، فالتطورات التي لحقت ببيئة الإعلام لم تغير شيئاً في مضمون وسائل الاتصال الأكثر جماهيرية بحكم تبعيتها المباشرة للسلطة السياسية، التي توظف النظام الإعلامي باعتباره نظاماً فرعياً له وظيفة أساسية هي إضفاء الشرعية على الواقع الراهن أكثر من تغييره.

في بداية التحول الديمقراطي، الذي يتزامن مع إصلاحات تنال واقع وسائل الإعلام، تكون هنالك فرص متساوية بين تراجع النظام الجديد نحو السلطوية والعودة بالتالي إلى احتكار الإعلام بدعوى تثبيت النظم الجديدة، وبين الرهان على مدى نضج الصحافة ووسائل الإعلام وقدرتها على ان تكون مصدر حماية للمجتمع الديمقراطي حينما يخاف السياسيون الجدد من النقد والتحريض الإعلامي، وقد حدثت حالة قريبة في الهند بعد القضاء على احتكار وسائل الإعلام ما منح الصحافة ومحطات التلفزيون سلطة أكثر تعددية ذات ارتباط بأجندات وطنية متنوعة، بشكل أصبح من الصعب على الحكومة ان تفرض مرة أخرى قانونا للطوارئ يغلق الصحف ويرعب الصحافيين.

هناك مرحلة فاصلة - في النضج الإعلامي رمزها الحقيقي توطين حرية التعبير- إذ اجتازها الإعلام وانضج التعددية وربطها بالمصالح الوطنية، فإنّ الديمقراطية الناشئة تضمن اكبر قدر ممكن من احتمالات عدم التراجع.

basimtwissi@hotmail.com

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »وزارة الافلام (زياد حمدان)

    الأحد 25 شباط / فبراير 2007.
    والله كأن مشكلة وزارة الاعلام مثل البيضة والدجاجة ، لا تريد ان تنتهي وكل فترة تعود من جديد، ياجماعة اليس من العيب ان تستمر الرقابة والتفتيش في وعي الناس ، اليس من العيب ان نعيد نموذج وزير اعلام صدام حسين الذي تتذكرونه جيدا اليس من العيب ان تبقى دولنا المنوخة بالثورية هي الوحيدة في العالم التي تتربع فوق سلطة الاعلام وتكمم افواه الناس ولا تريد ان تسمع الا صوتها، اشكر كاتب المقال ويا ريت جماعتنا يتعلموا.