الملك الحسين والخوف على الهوية العربية

تم نشره في السبت 24 شباط / فبراير 2007. 03:00 صباحاً

في السنوات الأخيرة من حياته، كان الملك الحسين، رحمه الله، يردد دائماً أمام الذين عرفوه أن لديه خوفاً كبيراً على الهوية العربية في حال تأخّرت التسوية في فلسطين. في الواقع، كان الملك الراحل الذي مرّت قبل أيام الذكرى الثامنة على غيابه، يشير إلى المخاطر على الأقليم ككلّ، وخشيته من دفع العرب ثمن التلكؤ في أخذ المبادرة على كلّ الصعد والبقاء في أسر الشعارات والأوهام. إنها مخاطر ناجمة عن تفاقم الأزمات في المنطقة، ونشوء صراعات جديدة تنتهي بنتائج في غير مصلحة المجموعة العربية من جهة، وتطغى على الأولوية التي تشكلّها القضية الفلسطينية بالنسبة إلى العالمين العربي والإسلامي من جهة أخرى.

أظهرت الأحداث كم كان الملك الحسين على حقّ، وكم كانت نظرته إلى الوضع الإقليمي ثاقبة، خصوصاً في ظلّ التهديدات التي تتعرّض لها الهوية العربية في هذه الأيّام. في مقدّم التهديدات تلك الناجمة عن انفلات الغرائز الطائفية والمذهبية بعد كلّ الذي حصل في العراق، حيث تتحمّل الإدارة الأميركية الحالية مسؤولية كبيرة، بل المسؤولية الأساسية عن إثارة الفتنة الشيعية-السنية في مجتمع تكفّل النظام السابق الذي استمرّ نحو ثلاثة عقود ونصف عقد بإضعاف نسيجه الاجتماعي.

هناك جديد في العالم العربي والمنطقة المحيطة به. يتمثّل هذا الجديد في صعود المخاوف من الفتنة الشيعية-السنّية التي نجمت عن الانتصار الإيراني الذي تحقق في العراق عن طريق الاحتلال الأميركي. لم تعد الفتنة محصورة بالعراق، بل تجاوزتها إلى فلسطين ولبنان.

لا يمكن تصوّر كم الوضع خطيرا في لبنان بعد سلسلة المغامرات التي أقدم عليها "حزب الله" بهدف واضح كلّ الوضوح، هو تكريس البلد "ساحة" للمحور الإيراني-السوري. الوضع اللبناني في غاية الخطورة نظراً إلى أن هناك إصراراً من النظام السوري على استخدام "حزب الله"، وهو حزب مذهبي بامتياز، في عملية إسقاط الحكومة الشرعية في لبنان، من منطلق أن الحكومة تمثّل المرجعيّة اللبنانية للمحكمة ذات الطابع الدولي، المتوقع أن تنظر في قضيّة اغتيال الرئيس رفيق الحريري.

أما في فلسطين، فيؤمل أن يكون وراء الاتفاق الذي تحقق في مكّة المكرّمة بين "فتح" و"حماس"، من أجل تشكيل حكومة وحدة وطنية، بداية وعي لدى "حماس" بأنها تشكّل الغطاء السنّي لتحالف يراهن على إيجاد تحالف ذي طابع مذهبي يشق العالم العربي، تحالف يبدأ في طهران وينتهي في جنوب لبنان مروراً بدمشق وبيروت التي تتعرّض حالياً لهجمة شرسة تستهدف كلّ ما هو حضاريّ فيها. بفضل "حماس" السنية، يتمدد المحور إلى غزة. هل تقبل حركة الإخوان المسلمين بهذا الدور، أم تضع له حدّاً قبل فوات الأوان؟

كان الملك الحسين دائم التخوّف من انعكاسات الأحداث الإقليمية وتأثيرها على فقدان الهوية العربية تدريجياً. وكان يدرك خصوصاً خطورة تأخير تحقيق التسوية في المنطقة بما يؤمّن للشعب الفلسطيني دولته المستقلة. كان يدرك أن العالم انشدّ إلى أفغانستان في أواخر السبعينيات من القرن الماضي بعد الغزو السوفياتي لذلك البلد المهمّ استراتيجياً، وذهبت دول عربية إلى التركيز على إرسال متطوعين لقتال "الكفرة" في أفغانستان والتشجيع على ذلك. وبين الذين قاتلوا القوّات السوفياتية في أفغانستان عدد لا بأس به من الفلسطينيين الذين نسوا في مرحلة ما أن هناك قضية أسمها الاحتلال الإسرائيلي لأرضهم. ولم تقلّ الحرب العراقية-الإيرانية التي استمرّت ثماني سنوات خطورة عن الحدث الأفغاني؛ استنزفت عرب الخليج مثلما استنزفت العراق وإيران، وجعلت الهمّ العربي والخليجي محصوراً في عدم حصول اختراق إيراني للعراق الذي كان لا يزال بلداً عربيا إلى ما قبل فترة قصيرة.

في ظلّ أصعب الظروف وأكثرها تعقيداً، أبى الملك الحسين الاستسلام للفكر الرافض للتسوية من منطلق أن السلام في المنطقة يسمح للعرب بتطوير أنفسهم، والعمل من أجل المحافظة على هويّتهم، والانصراف إلى معالجة مشاكلهم الحقيقية، بما في ذلك البرامج التعليمية ومكافحة التطرّف والجهل. أوليس هو الذي رد على الذين رفعوا شعار "العودة إلى الإسلام" بأنّ "الإسلام أمامنا"، أي أن علينا أن نبذل جهداً للحاق بالإسلام الذي هو دين حضاري متطوّر؟ لذلك وضع الحسين اللبنة الأولى للدولة الفلسطينية المستقلة، عندما اتخّذ قرار فك الارتباط بالضفّة الغربية صيف العام 1988؛ ولذلك ظلّ يكافح حتى آخر يوم من حياته من أجل عودة الفلسطينيين والإسرائيليين إلى طاولة المفاوضات، مدركاً أن الوقت لا يعمل لمصلحة القضيّة الفلسطينية التي يفترض أن تكون القاسم المشترك بين العرب. لقد قاوم الملك الراحل المرض العضال الذي كان يعاني منه وتوجه إلى البيت الأبيض من المستشفى الذي كان يعالج فيه في العام 1998 من أجل المشاركة في مباركة الاتفاق بين الراحل ياسر عرفات ورئيس الوزراء الإسرائيلي وقتذاك بنيامين نتانياهو. فعل ذلك قبل أشهر قليلة من تغلّب المرض عليه، كي يؤكّد أهمية السلام والعمل من أجل السلام، وخطورة تأخر السلام ليس على القضية الفلسطينية فحسب، بل على الهوية العربية أيضاً.

من ينظر إلى الوضع العربي الراهن، خصوصاً إلى ما يشهده العراق، البلد الذي تبدو وحدته مهدّدة، من مصائب، والى الكارثة التي تحلّ بلبنان تدريجياً، يتأكد من أن الهويّة العربية مهددة حقاً، وأن مخاوف الملك الحسين كانت في محلّها. يظلّ العزاء الوحيد للعرب في الذكرى الثامنة لرحيل الحسين في أن الملك الراحل لم يفوّت فرصة التوصل إلى سلام مع إسرائيل، بل استغلّها بما يصبّ في مصلحة الأردن والأردنيين والمنظومة العربية وأمنها. أكثر من ذلك، بنى دولة مؤسسات أتاحت انتقالاً هادئاً للسلطة، أي إلى عهد الملك عبدالله الثاني الذي لا يترك فرصة ليؤكّد أن المنطقة في حاجة إلى السلام، وأن الفترة الزمنية المتاحة لتحقيق السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين محدودة.

كاتب لبناني

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الاردن (د.عمر)

    السبت 24 شباط / فبراير 2007.
    شكرا لك على هذا المقال الذي المس منه رؤيه سياسيه واثقه وتفكير معمق.
    لقد بقي الملك حسين رحمه الله (صاحب الرؤيه الثاقبه والمفكر) في جدل وصراع مستمرين مع اصحاب الفكر الرجعي ومع تلك الانظمه الانقلابيه التي حكمت بالحديد والنار امثال البعث السوري والنظام المصري ابان حكم جمال عبد الناصر. فبقي العرب يسمعون من الشتائم على اسرائيل الى ان وصلوا الى ما وصلوا اليه.فلا اسثردت تلك الانظمه فلسطين ولا حصلت شعوبهم على الديمقراطيه. حتى انهم جوعوا السمك, فمات السمك و ماتت حريتهم. فبقي الضباط الاحرار ونظام البعث احرارا ويتاجرون بالقضية الفلسطينيه الى ان استعبدوا شعوبهم, والنتيجه واضحة كما نراها هذه الايام, لا حريه ولا ديمقراطيه وقمع من اجل البقاء في السلطه, فهم كما وصفهم صالح القلاب: ملوك بلا تيجان.. وما زالوا يحسدون الاردن على نعمة الامن والحريه. لقد كان الحسين مفكر هذا العصر وابى الرجعيون الا ان يكونوا رجعيين وابى الضباط الاحرار والبعث الا ان يستعبدوا شعوبهم. فسلام عليك يا اردن وقبلة على جبينك يا عمان
  • »وحدة المصير (د.هاني عبدالحميد)

    السبت 24 شباط / فبراير 2007.
    نحن في الاردن نشكل جزأ أساسياعالي الهمة من الامة العربية والاسلامية قدر لنا ان نكون في خط المواجهة الاطول مع عدو لا يراعي الحرمات المقدسة ولا الاتفاقيات الدولية ولا الشرائع السماوية الا ما كان منهايصب في خانة قمع الاخرين واغتصاب حقوقهم. لكن بنفس الوقت فامكانات الاردن معروفة اقتصاديا وبشريا وعسكريا مما يجعلنا في امس الحاجة الى التواصل مع اشقائنا العرب والمسلمين. فبأي منطق نبتعد عن أخوة المصير التي تجمع 320 مليون عربي (وهو رقم يتضاعف في اقل من 20 سنة) ونتجاهل مساعي الوحدة وجمع الشمل. كذلك فان 1500 مليون مسلم يشاركوننا المعتقد في وجوب استعادة المقدسات الاسلامية التي أغتصبت في غفلة من الزمن وسوف تعودان طال الزمن او قصر وهو وعد الهي رغم انف المرجفين والمزيفين من أعداء الامة. اخيرا أتوجه مخلصا الى الكتاب العرب غير المسلمين ان يتركوا شئون ديننا السمحة فلا يخوضون فيما لا يؤمنون به فلقد مللنا كثرة خوضهم-شأن الكثيرين ممن يجهلون امور دينهم- في ما لا يعنيهم من شئون ديننا الحنيف كما انهم لا يستسيغون خوضنا في خصوصيات الشرائع السماوية الاخرى والتي انزلت على انبياء الله ورسله رحمة وهداية للعالمين.
  • »كيف نكتب عن الأردن والهاشميين (هاني)

    السبت 24 شباط / فبراير 2007.
    يتقن الكاتب الكبير خير الله الكتابة عن الأردن باقتدار ونلمس المحبة الكبيرة للأردن ولقيادته الفذة ولا سيما الحسين رحمه الله . اما بعض الكاتب هنا في الأردن فلا يتقنون كيف يكتوبن عن الأردن وكيف يحملون فكر الهاشميين ورسالة الأردن فهم كا زالوا يتكلمون بلغة شاعر القبيلة ومن الأمانة التنويه بجهد أيمن الصفدي متحدثا عبر الفضائيات أو كاتبا عن الأردن باقتدار