إبراهيم غرايبة

ثقافة المقاومة في مواجهة ثقافة الفساد

تم نشره في السبت 17 شباط / فبراير 2007. 03:00 صباحاً

ليست ثقافة المقاومة حالة تستدعيها المجتمعات والشعوب في ظل الاحتلال فقط، إنما هي حالة اجتماعية ثقافية، تتعامل مع جميع شؤون الحياة والمواقف؛ وهي مورد اجتماعي بالغ الثراء تحافظ به المجتمعات على حريتها وحقوقها العامة، وتحمي بها العدالة والإصلاح، وتقاوم الفساد والاستبداد. فالديمقراطية لا تتشكل فقط في سلسلة من الإجراءات والانتخابات، لكنها تعبير عن رغبة الشعوب والأمم، وإصرارها على حكم نفسها بنفسها، وأن تكون بالفعل مصدر السلطات.

والمقاومة أيضا عزيمة على النهضة والتنمية والتحدي، تذكّر دائما، وعلى نحو متكرر، بمثال اليابان وألمانيا، البلدان اللذان حوّلا الهزيمة إلى تقدم وانتصار؛ إذ لم يكن ذلك ليتحقق أبدا لولا حالة ثقافية تمتعت بها المجتمعات والشعوب، مستمدة من إصرار على الخروج من الهزيمة والتخلف.

في كتاب "ثقافة المقاومة" الذي أصدرته مؤخرا جامعة فيلادلفيا، ويجمع أعمال مجموعة كبيرة من الدراسات، كما نقاشات تحت العنوان نفسه جرت في أروقة الجامعة، نفتح أعيننا على مفاهيم وأفكار جديدة يجب أن تلتفت إليها الأجيال، ومناهج التنشئة والتعليم.

فالثقافة الوطنية هي أهم إنتاج اجتماعي لأي جماعة أو أمة، لا تستطيع من دونه تحقيق إنجازات كبيرة. ولذلك، يستبعد الدكتور محمد عبدالعزيز ربيع صحة مقولات انهيار الغرب والولايات المتحدة الأميركية وتراجعها، لأنها –برأيه- مقولة تتجاهل منجزات الحضارة الغربية في الأدب والموسيقى والفنون والتعليم والهندسة والعمارة، إضافة إلى الحريات العامة وحقوق الإنسان.

ويأتي في سياق ثقافة المقاومة، برأي مسعود ضاهر، ضرورة ممارسة ثقافة التغيير بدلا من ثقافة التبرير، وقيام تنمية ثقافية تساعد على التواصل العقلاني بين الأجيال المتعاقبة، وتستعيد العقول المهاجرة إلى الغرب، وتساهم في إنشاء ثقافة كونية أكثر إنسانية تحافظ على كل ما هو إيجابي في الثقافات الوطنية والقومية، ويجعل للمثقف دورا رقابيا واجتماعيا مستقلا عن السلطة، لأنه تبعيته لها تنشئ ثقافة مضادة هي "ثقافة الفساد".

ولا أهمية كبيرة هنا للجهد المبذول في التمييز بين المقاومة والإرهاب؛ فليست مشكلة العالم أنه لا يفهم ذلك، لكن الأمة التي تملك ثقافة فاعلة ومؤثرة على أبنائها وعلى العالم أيضا لا يجرؤ أحد على وصفها بالإرهاب، وتصبح مقاومتها مثلا أعلى للعالم؛ أما الأمم الضعيفة ثقافيا وحضاريا، فتتحول إلى إرهابية مهما كانت مسالمة وملتزمة بالحق. هل يتذكر أحد مجرم حرب منتصر؟ بالطبع لا، فجريمة الحرب هي الهزيمة!

الجهد المبذول في الإعلام والمؤتمرات للدفاع عن الإسلام ونفي تهمة الإرهاب عنه، والدفاع عن العرب والمسلمين ونفي تهمة الإرهاب عنهم، ومحاولة تأكيد حق المقاومة والتمييز بينه وبين الإرهاب، يثير السخرية والشفقة! فاليابانيون والصينيون، على سبيل المثال، لم يتحولوا في الإعلام الغربي والثقافة العالمية من موضوع للسخرية والاتهامات الباطلة إلى شعوب ومجتمعات ترمز إلى ثقافة العمل والتقدم والرقي لأنهم بذلوا جهودا إعلامية كبيرة، واستثمروا في العلاقات العامة والحوار مع المفكرين والسياسيين والإعلاميين في الغرب، بل هم أنجزوا ذلك عندما جعلوا من أنفسهم ما يريدون أن يكونوا. وبغير ذلك، فإن ما نراه من أعمال وجهود، مهما كانت مخلصة وحسنة النية، لا تخرج عن "البزنس" أو هدر الإنسان والكرامة والموارد.

المفكر حسن حنفي يرد العجز العربي أمام الهجمة الاستعمارية إلى غياب الخيال السياسي عند القادة العرب. فالمقاومة هي حركة النهضة والفكر التي تجعل العمل من الإيمان، وتبدأ من الإنسان والمجتمع والأرض والدولة، وتفك الارتباط بين أيديولوجية السلطة وأيديولوجية الطاعة. والمقاومة حركة تلقائية في التاريخ، تبدأ من رفض العبودية؛ كما أنها سابقة على النص، بل إن الاختلافات النصية والأيديولوجية تختفي أمام النضال اليومي والقضايا التي تشغل المجتمعات، سواء أكانت مقاومة الاحتلال، أم مكافحة الفقر، أم التقدم العلمي والمهني، أم تنمية الموارد.

ibrahim.gharaibeh@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »أنظر إلى الكون (إبراهيم غرايبة)

    السبت 17 شباط / فبراير 2007.
    يازلمة يا عاطف لويش مغلب حاللك باللي بكفروا واللي ما بكفروا، الحياة مليئة بالأفكار والحكم والتجارب والناس والفضاء والنور والأكسيجين والجمال ولا تدع لحظة تفوتك فيفوتك من ذلك خير كثير
  • »بس دير بالك يكفروك (عاطف علي الفراية)

    السبت 17 شباط / فبراير 2007.
    معك تماما كمعظم حالاتي .. بس لي تحذير
    .. دير بالك من الاستشهاد بحسن حنفي.. لأن إخوانك في الأردن يرونه كافرا.. والاستشهاد بالكافر كفر في نظر البعض
    أتصدق أن الدكتور محمد عويضة كفر حسن حنفي على شاشة أبو ظبي الفضائية أمام كل الناس .. والغريب أن الذي تصدى لعويضة يومها هو محمد عمارة وليس حسن حنفي الذي ابتسم ابتسامة ساخرة وبقي صامتا
    كنت أتكلم مع أحد الإخوة هنا عن الشيخ عائض القرني فحذرني منه لأنه سمعه يستشهد بقول للإمام الغزالي الكافر حسب رأيه
    ( لا تظن يا أستاذ إبراهيم العزيز جدا أن الاستشهاد مسألة سهلة )
    الغريب أن الله تعالى يقول في القرآن الكريممخاطبا الرسول عليه الصلاة والسلام.... فاسأل الذين يتلون الكتاب من قبل...
    أي أنه تعالى استشهد باليهود والنصارى على صدق رسالة الإسلام