ياسر أبو هلالة

معنى فشل "الثورة البيضاء"

تم نشره في الأحد 11 شباط / فبراير 2007. 03:00 صباحاً

مهما اختلفت مع إيران لإسباب مبدئية أم مصلحية لا تملك إلا الإعجاب بثورتها. فالخميني تمكن قبل العولمة وفضاء ثورة الاتصالات من إشعال ثورة أشرطة التسجيل. كلمات منه كانت كفيلة بتحريك الملايين وهي تعلم أن الموت بانتظارها. عاش زاهدا ومات زاهدا، لم تفسده السلطة المطلقة التي تمتع بها الولي الفقيه. في منزله المستأجر ظل يستقبل كبار الزوار على الأرض. فودعته الملايين عندما رحل وهي ذاتها التي استقبلته عندما عاد من باريس منتصرا.

عندما انتصرت الثورة لم تسحر الجماهير العربية والمسلمة المتطلعة للتحرر من الاستبداد والطغيان فقط. بل سحرت مثقفين كبارا انجذبوا من مربع اليسار، إلى مربع الإسلام باعتباره صاعق الثورة في المنطقة (منير شفيق، وليد نويهض، حازم صاغية..). غير أن حسابات الثورة غير حسابات الدولة، فالثائر في السلطة يمارس استبدادا قد يعجز عنه الطاغية العتيق.

فشل نظام الجمهورية الإسلامية في طمأنة السنة بعامة والعرب بخاصة. فالسنة في إيران حتى اليوم يعانون تمييزا عنصريا لا يمارس ضد اليهود. في طهران كلها لا يوجد مسجد للسنة. وهذا التمييز لا يمارس ضد الشيعة في أي بلد أكثريته سنية. الأسوأ من ذلك الموقف من العرب الشيعة. فهم وقفوا مع الثورة وقاتلوا بضراوة في الحرس الثوري ضد العراقيين من أبناء جلدتهم (أبرزهم شمخاني الذي غدا وزير دفاع وقائد الحرس الثوري)، واليوم يعانون من تمييز فاضح في الخدمات ويمارس عليهم إحلال سكاني فارسي. عندما انتصرت الثورة لم يتعامل معها السنة باعتبارها ثورة شيعية أو فارسية. كان الخميني بنظر الجماهير في إيران وخارجها زعيما مسلما تصدى للاستبداد والهيمنة.

هذا في إيران، أما خارجها فكان العكس. سياسة إيران الخارجية ظلت إلى جانب قضايا العرب والمسلمين. ومع أنها خاضت حرب السنوات الثماني مع العراق إلا أنها لم تجعل من العراق عدوها الأول. ظل العداء لأميركا وإسرائيل يحكم العقيدة القتالية الإيرانية. موقف إيران حتى في الحرب الأخيرة كان متقدما على كثير من الدول العربية. ولو وقف العرب نفس الموقف الإيراني والتركي لما احتل العراق. فالدبابات الأميركية لم تمر من الأراضي الإيرانية ولا التركية. الخميني جعل عداء أميركا وإسرائيل دينا. بعد الصلاة - وإلى اليوم- وكأنه تسبيح يهتف المصلون الموت لأميركا الموت لإسرائيل.

بعد سقوط صدام، كانت إيران في أحسن أوضاعها. فقد تخلصت من جاريها اللدودين؛ نظام طالبان ونظام البعث دون أن تخسر جنديا. كان بإمكانها أن تلعب دورا إيجابيا من خلال نفوذها الديني والأمني والاقتصادي. لكن للأسف كان دورها كارثيا. وجعلها تخسر كثيرا في العالم العربي والإسلامي. بعيدا عن التفاصيل وحجم سيطرة إيران على الفصائل الشيعية هي بالمجمل تتحمل جزءا كبيرا من المسؤولية. مثال بسيط لو أصدر مرشد الثورة وبقية المراجع فتوى تحرم قتل السنة في العراق بشكل قاطع هل تستمر فرق الموت بعملها؟

أكبر خسارة كانت لإيران إعدام صدام حسين. لا أشعر بالندم لأني أوصلت شريط إعدام صدام حسين لقناة الجزيرة بعد أن وصلني عن طريق الإنترنت. فهو كشف مدى نفوذ المليشيات الطائفية التي تؤثر إيران عليها بصورة كبيرة. جيش المهدي وفيلق بدر لا يستطيعان البقاء من دون دعم إيراني. ولذلك تستطيع إيران أن تلعب دورا حاسما في حقن الدماء في العراق. حقن دماء العراقيين لا المحتلين.

غير أن الموقف الإيراني في العراق لا يجعلها في خانة الأعداء. فهي جار وإن بغت. وحروبها معنا نوع من الحروب الأهلية في البيت الواحد. ولنتذكر أن نظام البعث هو من غزا إيران وهي لم تلتقط أنفاسها بعد ثورة دامية على أكبر عدو للعراق والخليج: شاه إيران. إيران حاربت أميركا وإسرائيل وهي التي في مطلع الثمانينيات ابتكرت السيارات المفخخة التي يقودها انتحاري عندما فجر أنصارها مقرات المارينز والقوات الفرنسية والسفارة الأميركية في بيروت. الجهد الثوري الفوضوي تبلور لاحقا في تأسيس حزب الله الذي هزم إسرائيل مرتين حتى الآن، ولم يتورط في الحرب الأهلية التي شارك فيها باقتدار من يتهمونه اليوم بإثارة الحرب الأهلية.

بقيت ملاحظة مهمة جدا في ذكرى انتصار الثورة الإسلامية. على وقع طبول الإصلاح في المنطقة علينا أن نتذكر أن شاه إيران هو من أطلق شعار "الثورة البيضاء" بمعنى الإصلاح السياسي من دون دماء فكان الجواب في الثورة الحمراء. السبب ليس لأن الناس تحب الدماء لكنه في أن الشعار ظل شعارا ولم يتحول إلى واقع. شاه إيران لم يكن حاكما ضعيفا، كان الجنرالات يؤدون التحية له بتقبيل حذائه. في كتاب هيكل زيارة جديدة للتاريخ ينقل عن أحد قادة المعارضة قوله: "إن الناس تخشى أن تدعو الله حتى لا يلتقط السافاك (جهاز المخابرات) دعاءها وهو صاعد للسماء". وعندما اقتحم الطلبة الثائرون   السفارة الأميركية في طهران كانت تقارير السي آي إيه التي استولى الطلبة عليها تطمئن المسؤولين الأميركيين وتقول أن قادة الجيش مع الشاه! طبعا الأميركيون تخلوا عن حليفهم بعد سقوطه ولم يسمحوا له بالتداوي في مستشفياتهم.

يستحق الإيرانيون التهنئة في ذكرى انتصار ثورتهم، وهم اليوم مدعوون لمراجعة الإخفاقات والنجاحات. ما يهمنا في العالم العربي، أن تبقى إيران – كما كان العراق يوما– قوة ذات وزن تعدل الاختلال الهائل في موازين القوى لصالح الإسرائليين. وأن تمارس دورا إيجابيا يسهم في توحيد العراق وإزالة الاحتلال. أما تهمة دعمها لحماس وفصائل المقاومة الفلسطينية فتلك أن صحت ضرورية. والمطلوب أن تحذو الدول العربية حذوها. فالتصدي للاحتلال الإسرائيلي واجب الأمة لا واجب المقاومة وحدها.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »تحية لياسر المسلم الاصيل (عمر شاهين)

    الاثنين 12 شباط / فبراير 2007.
    ما أروع ما تكتبه يا ياسر أنت بحق مثقف وواعي ولم تغر بحكايا وحجج أمريكا التي تزرعها وها هي تجند المسلمين ضد ايران كما فعلت من قبل مع العراق
    لا تغرك أقلامهم فهم عاطفيون مخدوعون ايران دولة اسلامية وأمريكا عدونا الاول هي وأعوانها
    شكرا ياسر..ارسل لك دوما على اميلك ولا يجيب كأنه معطل.
  • »باالمختصر... (ابوالبراء)

    الأحد 11 شباط / فبراير 2007.
    سيخلد التاريخ من يستحق التخليد
    وسيلعن من يستحق اللعن..
  • »دراسة التاريخ (خالد)

    الأحد 11 شباط / فبراير 2007.
    نتمنى من الكتاب قبل كتابة مقالاتهم بأن يرجعوا للتاريخ قبل كتالة مقالاتهم.فلماذا يكرر الكاتب بأن العراق هو من أعتدى على أيران وكأن أحتلال أيران لشط العرب واحتلالها للأهواز ليس أعتداء فهؤلاء هم المعتدين على العرب فالعراق حمى الأمة الأسلامية من شر هؤلاء لثمان سنين. نتمنى من الجميع ان لا ينخدع بكل من يرفع شعار الأسلام ويضيف أسم الأسلام لحزبة أو ثورته، من أجل الوسول لأهدافهم الدينية. رحم الله الشهيد صدام حسين الذي طبق الأسلام ولم يستغل الأسلام من أجل أهداف دنيوية
  • »ايران (جعفر)

    الأحد 11 شباط / فبراير 2007.
    اذا كان موقف ايران مع مؤيديها من العرب الشيعه في ايران هو التهميش والاحلال الفارسي و موقفها من معارضيها من العرب السنه في العراق هو الاباده فاي ارضيه مشتركه يمكن الركون اليها.
  • »Politique jordanienne (Salameh)

    الأحد 11 شباط / فبراير 2007.
    Il est temps de penser la Politique avec une stratégie jordanienne. L'Iran a sa propre stratégie et nous ne devons pas faire sa propagande au nom de l'islam et de la palestine.La stratégie de la jordanie cherche à construire dans la paix et le dialogue une region forte, riche et prospère pour l'avenir de nos enfants. C'est cette vision que nous devons aider et s'éloigner de toute politique aventuriste qui n'amène que le desordre et le retour en arrière.

    --------------
    ترجمة المشاركة
    --------------
    حان الوقت لعرض السياسة باستراتيجية أردنية. ايران لها استراتيجتها ولا يجب علينا أن نقوم بهذة الدعاية باسم الاسلام وفلسطين، واستراتيجية الأردن تهدف الى اقامة السلام والحوار لمنطقة قوية وغنية وآمنة من اجل مستقبل اطفالنا.
    هذة الرؤيا التي يجب أن ندعمها ونبتعد عن السياسات المغمرة التي تؤدي الى الفوضى والرجوع للوراء.
  • »عصاب (رشا سلامة)

    الأحد 11 شباط / فبراير 2007.
    أستاذ ياسر. بغضّ النظر عن موقفنا من إيران، إلاّ أن مقالك هو بداية منهجيّة جديدة في طرح الرأي لدينا. مشكلتنا أننا إما نشيطن تماماً أو نقدّس كليّاً. فتكون النتيجة أن تغدو جميع ردود أفعالنا بدائية انفعالية محضة. ليس لدينا أيّ طرح موضوعي لأيّ مسألة. النتيجة تكون جاهزة قبل الشروع في البحث و عرض الحقائق كاملة. سبق و أن وصف الاستاذ ابو رمان ردود أفعالنا بحالة من (العصاب).. غير أنّ هذا العصاب لا يقتصر على العوام، بل العجيب أنه يطال النخبة المثقفة. لا عليك من الآراء الأحادية التي لا تعاقر غير الأبيض و الأسود. الرمادي مطلوب و يسمح برؤية أفضل. و سلمت.
  • »موقفك محايد (محمد)

    الأحد 11 شباط / فبراير 2007.
    كلام موزون و منطقي يا استاذ ياسر وهو بعيد كل البعد عن التحيز لايران او لامريكا يا ريت كل الكتاب يمتلكون مثل موضوعيتك و يبتعدون عن الهجوم على ايران فقط لاجل الهجوم و بدون دلائل.. مقالك اليوم يجب ان يؤرخ ويجب ان يصل الى قادة الثورة الايرانية قبل قادة الدول العربية التي تتحيز بشكل كامل مع امريكا على اساس انها ارحم من ايران علينا و كأن عدونا وعدو امريكا واحد و ليس العكس (عدونا و عدو ايران واحد)!!
    سمعنا الكثير عن العداء الطائفي ولكن عداء امريكا ملموس و محسوس ضد كل ما هو اسلامي!
    ياريت لدى العرب من يقودهم ليصبحوا مثل ايران من حيث القوة الدولية والنصرة لفلسطين!!
  • »مبشر (علي)

    الأحد 11 شباط / فبراير 2007.
    ليش يا ياسر اصبحت مبشر لايران في المنطقة!؟
  • »ايران (عماد)

    الأحد 11 شباط / فبراير 2007.
    ياسيدي منذ ثورة خميني وهي للتصدير كما صرح هو بنفسه اما البعث فقد حمانا من المد الفارسي طيلة هذه الفتره اماالان فاحمونا انتم بثقافتكم وكتاباتكم وتوددكم من ايران
    ان ايران اخطر علينا من اسرائيل فاليهود يريدون الارض فقط اما ايران فهي تحتل الارض وتريد المزيد.
  • »غير محكم (أنيس)

    الأحد 11 شباط / فبراير 2007.
    مقال غير محكم
    أخ ياسر مسك عصى الموضوعيه والمشي على حبل الأحداث بهذا الموضوع خصوصا هو مدعاه للسقوط
    شكرا لك وتحياتي
  • »Opponent for the sake of Oppostition (Basheer Salaytah)

    الأحد 11 شباط / فبراير 2007.
    The article's author is pro-Iranian (here) because Jordanian government is anti-Iranian, i am sure if the government is pro-Iranian he would anti-Iranian.

    With all my respect to him.
  • »!!! (Hassan Okour)

    الأحد 11 شباط / فبراير 2007.
    مقالك يا اخ ياسر ملئ بالتناقضات. ترويجك لايران لن ينجح وستبقى ايران عدوأ ملطخأ بدماء الاشراف من هذه الامة.