محمد أبو رمان

"الحرب الطائفية الباردة" في المنطقة!

تم نشره في الأحد 11 شباط / فبراير 2007. 03:00 صباحاً

 لم يتردد خطيب الجمعة بوصف الشيعة جميعاً بالكفار، واتهامهم بشتّى أنواع التهم وأسوأ الصفات، لم أتمالك نفسي إلى نهاية الخطبة فخرجت منها وخطيبنا يعلن أنّ من "شكّ" في كفر الشيعة فقد كفر!

ما أسوأ أن تتحوّل المساجد التي يلجأ إليها الناس لرواء الأرواح والقلوب إلى مصانع للتعصب والتكفير ومنابر لأنصاف المتعلمين ومحدودي الأفق، في الوقت الذي نحتاج فيه إلى خطاب التعقل والأنسنة والتسامح لمواجهة الهستيريا الطائفية والروح العدمية- الغرائزية التي تنتشر في المجتمعات العربية ويغذيها ويتلاعب بها أهل "السياسة" لخدمة مصالح وأجندات لا علاقة لها بالدين والفِرق والخلافات العقائدية الحقيقية بينهم.

ما عرفته، من كثير من الأصدقاء، أنّ ظاهرة الهجوم على الشيعة والطعن بهم وتكفيرهم بدأت تنتشر في مساجد متعددة، وفي خطب الجمعة بالتحديد.

ظاهرة الهجوم على الشيعة مرفوضة وسلبية، وتعكس إفلاساً في التعبير عن المصالح الوطنية وحماية المجتمع من مصادر التهديد المختلفة أو المتوقعة! فمع الإقرار بوجود ظاهرة تشيع تقف وراء جزء كبير منها إيران، في العديد من الدول العربية، وتقوم على أهداف سياسية بوسائل دينية، إلاّ أنّ منابر الجمعة ليست محلاًّ للخلافات الدينية وبناء العصبيات الطائفية، وليست ملعباً سياسياً بين الخصوم، بل هي دور عبادة وتقرب إلى الله وبناء أخلاقي.

إنّ تحصين المجتمعات العربية السنية بالوعي الديني الصحيح لا يتم من خلال أصوات مأزومة ولا جماعات متشددة أو خطاب مغلق. بل بخطاب إسلامي عصري مستنير، وبناء مؤسسة دينية محترمة مستقلة تكون قادرة على مواجهة التحديات المختلفة وحماية المجتمع ومنع توظيف الدين والتلاعب به من قبل قوى سياسية أو دول معينة. ربما تقدّم بعض الجماعات "الدينية" دوراً وظيفياً في خدمة سياسة معينة، لكنها على المدى البعيد تنتج فكراً وإدراكاً دينياً متحجراً ومتخلفاً، يقودنا إلى أزمات أكبر من الحالية. فلا يعقل ارتكاب مفسدة كبيرة لتحقيق مصلحة آنية صغيرة!

وإذا كان هنالك استشعار أمني- سياسي بخطورة المرحلة القادمة وبدور إيراني لتفجير أزمات داخل المجتمعات العربية، وبوجود حالة استقطاب إقليمي كبيرة فإنّ واجب التصدي لهذا التحدي يقع على عاتق السياسيين ورجال الدولة في ترويج السياسة الرسمية وتسويقها لدى الرأي العام وإقناعه بمواقف حكومته، لا اللجوء إلى "أنصاف متعلمين" أو أصوات متشددة تجيش عواطف الناس الطائفية، وتعود بهم إلى القرون الوسطى وتستحضر الصراعات التاريخية والعقدية، كما يفعل بعض خطباء الجمعة اليوم!

تبدو الاعتبارات الأمنية، في هذا السياق، متعاكسة مع السياسات الدينية منذ سنوات. فالمفارقة كبيرة وواضحة بين الخطاب الذي تتبنّاه الدولة وتقدمه في المحافل الخارجية كرسالة عمان (الحث على التسامح والوسطية والاعتدال) والمؤتمرات الإسلامية الدولية والرسالة الصادرة جديداً "إجماع المسلمين على احترام مذاهب الدين"، وجامعة آل البيت التي تدرس مختلف المذاهب الإسلامية، بما فيها الشيعية والزيدية والإباضية من ناحية وبين الخطاب الذي تقدّمه جماعات وأفراد داخل المجتمع وفي المساجد يقوم على التكفير والتضليل ونشر خطاب الفتنة والاحتراب الأهلي بين المسلمين من ناحية أخرى.

في أثناء متابعتي لموضوع التشيع في الأردن أكد لي مسؤول أنّ المؤسسة الرسمية لن تستخدم جماعات دينية لمواجهة الظاهرة وأنّها تتعامل معها في سياق أمني محض، بخاصة ما يتعلّق بالنشاط التبشيري المنظّم والمدعوم من الخارج، وهي استراتيجية صحيحة تماماً، وتميّز بين الشيعة كطائفة دينية كبيرة وبين مسألة التوظيف السياسي وما يرتبط بذلك من نفوذ إيراني في المنطقة، وما أرجوه أن تبقى هذه الاستراتيجية هي المتبعة وأن يكون ما نراه من ظاهرة محدودة في بعض المساجد "خروجاً على النص".

على الطرف المقابل تبدو المعارضة أكثر انغماساً في تقديم خطاب مأزوم شعبوي، على قاعدة "ما يطلبه الجمهور". وإذا كان الشارع يقع أسير الإعلام الموجّه أو عاطفة حدث معين أليم وإيحاءاته فإنّ على القوى السياسية بناء وعي عقلاني يقود الشارع ويستثمر حالة التعبئة النفسية والعاطفية نحو فعل إيجابي بنّاء، أمّا واقع المعارضة لدينا فعلى النقيض من ذلك؛ فهي لا تزيد عن حالة خطابية رفضوية، بل متناقضة.

وإذا كنت لم أصدم بحديث السيد صالح العرموطي – في حفل تأبين صدام بعمان- إذ أنّه أفضل نموذج على خطاب المعارضة، لكن ما صدمني بحق أن يطالب "رجل القانون!" بتدريس فكر صدّام حسين في المدارس والجامعات الأردنية! ولا أعلم ماذا سيدرّس العرموطي؛ أهي دولة القانون التي بناها صدّام في العراق أم الحريات العامة وحقوق الإنسان التي كان يمتاز بها عهده! أم بناء المجتمع المدني واحترام مؤسساته وتجسيد التعددية السياسية والحزبية والدينية في الدولة! أم وضع الخطط العسكرية الناجحة واتخاذ القرارات والسياسات الاستراتيجية التي تحمي مصالح الدولة وثرواتها!

ما أنصح بتدريسه لأبنائنا، في المدارس والجامعات، هي أسرار هزائمنا ومصائبنا التي لا تزال تصب فوق رؤوسنا منذ قرن مع الزعماء العباقرة الذين يصادرون إرادة الشعوب وحقوقها وحرياتها بذريعة العروبة والقضية الفلسطينية ومواجهة الإمبريالية، ومع تلك القوى والأصوات الشعبوية التي تزوّر وعي الشارع وتتحكم بعواطفه وتجيّر مشاعره في معارك خاسرة وفاشلة، وتقودنا من انهيار إلى آخر، دون أن يرف لها جفن أو تتعظ بما يحدث معنا في كل كارثة تحل بنا.

m.aburumman@alghad.jo    

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »المذهبان الشيعي والسني اسلاميان ولا يجوز تكفير أي منهما في المساجد. (خالد مصطفى قناه .)

    الأحد 11 شباط / فبراير 2007.
    أتفق مع قرار الأستاذ محمد بمغادرة المسجد لعدم قدرته الاستماع لخطيب الجمعه وهو يكفّـر الشيعه كرد على السياسة الايرانيه في التبشير داخل البلادالسنيه لاعتناق المذهب الشيعي وبيعه بالفلوس للمحتاجين في كل من الأردن وسوريا ولبنان والعراق وباكستان وأفغانستان لخلق الفتن السياسيه والمذهبيه مستقبلا كلما اقتضت الضروره لخدمة المصالح الايرانيه، وأتفق مع طرح الأستاذ محمد بأن هذه المسأله تخص رجال الأمن والبوليس ولا تعني رجال الدين الذين يخلقون شرخا كريها في صفوف المسلمين خاصة وأنه يوجد عدد لا يستهان به من الشيعه العرب في لبنان وسوريا والعراق ، فعلينا أن لا نهملهم ونضعهم في خانة الأعداء وندفعهم للارتماء بأحضان ايران لتجييشهم ضدنا وجعلهم أعداءنا، فهذه الخطب العلنيه بالمساجد ومن أئمة المساجد سترفع وتيرة الكراهيه لدى الطائفه الشيعيه ضد السنيه، ولندرك أن هناك الكثير من الروابط والمعتقدات المشتركه بين المذهبين الذين يؤمنان بقرآن واحد ونبي واحد، وعلى العقلاء من الأئمه أن يركزوا على المفاهيم المشتركه بينناوأن لا يركزوا على السلبيات في طريقة الصلاة وبعض الشعائر المختلفه، أشد على يد ألأستاذ محمد وخاتمة مقاله