العراق وسراب فرص العمل في مقابل السلام

تم نشره في الخميس 8 شباط / فبراير 2007. 03:00 صباحاً

مع انسياب أولى قطرات "سيل" القوات العسكرية الأميركية التي قرر الرئيس بوش إرسالها إلى العراق، يبرز إلى السطح سؤال آخر بشأن خطة رئيس الولايات المتحدة الجديدة الرامية إلى منع اندلاع حرب أهلية شاملة هناك. هل ينجح استخدام التمويل الأميركي لإعادة فتح المؤسسات العراقية المملوكة للدولة في حمل الشباب على هجر التمرد والميلشيات الطائفية؟ ربما تبدو الفكرة منطقية: فالرجل الذي يجد وظيفة طيبة تمكنه من الحياة الكريمة لن يجد في نفسه الرغبة في مقاتلة الأميركيين أو اخوته من أهل العراق، أليس كذلك؟

من المؤسف أن استراتيجية توفير فرص العمل ليس من المرجح أن تحد من أعمال العنف. كانت المؤسسات العراقية المملوكة للدولة تشكل حجر الزاوية بالنسبة للسياسة الاقتصادية التي كان صدّام حسين ينتهجها. إلا أن هذه الشركات التابعة للدولة لم تحظ بإدارة جيدة منذ بدأ دعمها بعقود عسكرية؛ هذا فضلاً عن ضآلة إنتاجها بسبب حشوها بالعمالة الزائدة، كما كانت الحال مع الشركات الفاشلة المملوكة للدولة في الاتحاد السوفييتي القديم.

علاوة على ذلك فإن المؤسسات المملوكة للدولة في العراق، باستثناء قطاعي النفط والطاقة الكهربائية، لم تكن قط من جهات توظيف العمالة الكبرى. على سبيل المثال، لم توظف المؤسسات المائة والثمانون التابعة لوزارة الصناعة والمعادن، التي تسيطر على شركات التصنيع المملوكة للدولة كافة، ما يزيد على المائة ألف عامل في دولة يصل تعداد سكانها إلى ما يقرب من 27 مليون نسمة.

لايزال موظفو المؤسسات المملوكة للدولة يتسلمون رواتبهم، حتى مع أن حوالي ثلث أماكن عملهم قد دمرت. على سبيل المثال، تعرض مصنع السكر في السليمانية للقصف المدفعي أثناء الحرب الإيرانية العراقية في ثمانينيات القرن العشرين، إلا أن موظفي الشركة ظلوا يتسلمون رواتبهم منذ ذلك الوقت، حتى مع أن أحداً لا يداوم على العمل هناك سوى الجرذان والحمائم.

الحقيقة أن العديد من موظفي المؤسسات المملوكة للدولة لا يبدون إلا أقل قدر من الرغبة في العودة إلى العمل. وحين طلبت سلطة التحالف الإقليمية من موظفي شركة المشراق للكبريت العودة إلى وظائفهم في العام 2004، عمد بعض العاملين إلى إشعال النار فيما قيمته أربعون مليون دولار أميركي من الكبريت وتدمير منشآت الشركة. لقد فضلوا الحصول على أجورهم من دون الاضطرار إلى العمل.

هناك القليل من الشركات المملوكة للدولة التي يمكن إنعاشها. ذلك أن ثلث هذه الشركات تعرض للدمار إلى الحد الذي يجعلها غير قابلة للإصلاح، وثلثها الآخر عاجز عن تحقيق أي ربح على نحو باعث على اليأس، أما الثلث المتبقي فهو عبارة عن مجموعة متنوعة من الشركات والمصانع سيئة الإدارة، وقليل منها قادر على إنتاج أي شيء له قيمة، ولكن بشرط توفر الإدارة اللائقة والحوافز المناسبة. والحقيقة أن محاولة منح هذه المؤسسات العاجزة فرصة جديدة لتحسين أدائها من شأنها أن تجعل العراقيين أكثر فقراً، ولن تحد من أعمال العنف.

ولكن من تحت كل هذه الفوضى والركام، يخرج إلى الوجود قطاع خاص خشن ومضطرب، يتوسع منذ غزو الولايات المتحدة للعراق. ويستفيد هذا القطاع الخاص الجديد من ارتفاع عائدات النفط والسياسات الاقتصادية الأكثر انفتاحاً. ونتيجة لهذا فقد ارتفعت معدلات الإنفاق الحكومي ومعدلات الإنفاق الأسري على نحو ملحوظ منذ العام الأخير للرئيس صدام حسين في السلطة.

وعلى الرغم من العنف إلا أن الأنشطة التجارية تشهد بعض الانتعاش أيضاً، بعد أن أصبح العراقيون الآن قادرين على استيراد المعدات والسلع التي يحتاجون إليها لبناء المساكن، وإنشاء المتاجر، وتشغيل شركات النقل البري. وإذا ما كانت الولايات المتحدة راغبة في زيادة فرص العمل فيتعين عليها أن تكثف جهودها في العمل مع هذه الشركات العراقية الخاصة لتمكينها من تقديم العطاءات والحصول على العقود. كما ينبغي السماح أيضاً للشركات المملوكة للدولة بالمشاركة وتقديم العطاءات إلا أنها لا ينبغي أن تحظى بأقل قدر من المحاباة.

إن المشكلة الجوهرية في العراق ليست في الوظائف أو فرص العمل. ذلك أن الحرمان الاقتصادي، على النقيض من الحال مع الثورة المكسيكية، أو الصينية، أو الروسية، ليس السبب في التحريض على الصراع الحالي. إن الصراع الدائر في العراق صراع على السلطة، ولا علاقة له بالعدالة الاقتصادية أو السعي إلى حياة أفضل. والأسباب الأساسية لهذا الصراع سياسية، وطائفية، وشخصية. ومن المؤكد أن المفجرين الانتحاريين وفرق الموت لا تطالب بساعات عمل أقل، أو رواتب أعلى، أو خطط تقاعد أفضل.

الحقيقة أن كل المؤشرات الاقتصادية المعقولة تؤكد تحسن التوقعات الخاصة بالعمالة في العراق منذ نهاية الغزو. فقد تضاعفت الأجور اليومية للعمال في بغداد خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة ـ وهذا لا يشير إلى ارتفاع في معدلات البطالة.

كانت دراسة المسح اللائقة الوحيدة للمستويات المعيشية في العراق في العام 2004، والتي أجريت بواسطة برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، قد قدرت معدلات البطالة في العراق بحوالي 10.5%. أما الإحصائيات العراقية التي تصف البطالة على نحو أكثر توسعاً، فقد أظهرت انحداراً في معدلات البطالة بين الشباب في منتصف العشرينيات وبين المراهقين خلال العامين الماضيين.

إن العديد من الشباب في العراق ينضمون إلى الميلشيات لأنهم يجدون المال هناك. فهم من خلال التجوال حاملين الأسلحة في أيديهم يكسبون من المال أكثر مما يمكنهم جمعه بالعمل في أعمال الإنشاء أو التجارة. والحقيقة أن مناصري التمرد يجدون سعادة كبيرة في زرع قنبلة على جانب الطريق في مقابل مبلغ إضافي من النقود. وبدلاً من التركيز على برامج التوظيف الضخمة تستطيع الولايات المتحدة أن تبذل المزيد من الجهد لإحلال السلام في العراق من خلال تقليص أموال الصناديق الحكومية العراقية وأنشطة التهريب التي تستخدم في تمويل الرواتب التي يحصل عليها المتمردون والميليشيات.

كيف يمكن إذاً إنفاق أموال المساعدات الأجنبية الواردة إلى العراق؟

يتعين على الولايات المتحدة أن تزيد من إنفاقها على البرامج الهادفة إلى تحسين أوضاع قوات الشرطة. ففي الوقت الحالي، يكرس العديد من رجال الشرطة طاقاتهم في ابتزاز المواطنين واستخلاص الرشاوى منهم، حتى أن بعض رجال الشرطة يعملون ليلاً في فرق الموت. وما دام العراقيون مهددين بصورة يومية بالسرقة، والاختطاف، والقتل ـ وبصورة خاصة من قِـبَل أولئك الذين من المفترض أن يسهروا على حمايتهم ـ فلسوف يسعون إلى طلب الحماية من العصابات والميلشيات.

إن الوسيلة المثلى لتحسين عمليات الشرطة في العراق تتلخص في تطعيم قوات الشرطة العراقية بالمزيد من أفراد الشرطة التابعين لقوات الولايات المتحدة والقوات الحليفة بهدف تعليم وتدريب أفراد الشرطة العراقية. وبهذا يستطيع المعلمون تدريب أفراد الشرطة العراقية أثناء العمل والتمييز بين الصالح والطالح بينهم أو من يشاركون منهم في فرق الموت أو المنضمين إلى الميلشيات الطائفية. ولسوف يتطلب الأمر أيضاً المزيد من الأرصدة لشراء المعدات وتحسين المرافق والتدريب.

إن تمويل ودعم المحاكم والسجون العراقية حتى يتسنى لها العمل بصورة أكثر فعالية ووفقاً للمعاير الدولية من الأمور التي تشكل قدراً عظيماً من الأهمية أيضاً. فمن دون التقدم في هذا المجال لن يكون لتحسين أعمال الشرطة العراقية تأثيراً يذكر.

إن إغراق العراق بالمزيد من الأموال لن ينجح في شراء السلام. فالعراق تعد بالفعل واحدة من أكبر الدول المتلقية للمساعدات من الولايات المتحدة على الإطلاق. إلا أن المساعدات الموجهة المصممة لتحسين أعمال الشرطة والحكومة العراقية قادرة على تقليص أعمال العنف هناك.

كيث كرين كبير خبراء الاقتصاد لدى مؤسسة "راند"

خاص بالغد بالتنسيق مع بروجيكت سنديكيت

التعليق