"الرباعية" وبان كي مون!

تم نشره في الأربعاء 7 شباط / فبراير 2007. 03:00 صباحاً

ما أكثر الذين بنوا الآمال على "إرادة دولية" تحركها، او تقودها الولايات المتحدة، من أجل احياء عملية السلام، وفي غمرة التفاؤل غضوا النظر عن مضي اسرائيل في توسيع مستعمراتها الاستيطانية، والاعلان عن مخططات، وطرح عطاءات لهذه الغاية، خلال المدة الزمنية التي جمعت وزيرة الخارجية الاميركية مع رئيس الوزراء الاسرائيلي اولمرت.

خلال جولة رايس في المنطقة، ولقاءاتها مع عباس وأولمرت وغيرهما قالت المرة تلو الاخرى انها "سمعتها واضحة وعالية"، سمعت دعوات الجميع لجهد اميركي لإحياء عملية السلام وأردفت بأنها "ستفعل ذلك".

الذين غمرهم التفاؤل أخذوا يعدون الخطوات: اجتماع الرباعية مطلع شباط، ثم لقاء الوزيرة رايس مع عباس وأولمرت، وتترقب المنطقة ذلك اللقاء التاريخي العتيد، ربما ليبني على "النتائج الرائعة" التي تمخضت عن اجتماع الرباعية، ومن بعد ذلك تتراكم الانجازات على طريق السلام الذي بدأت جرافات الامل تواصل عملها ليل نهار للتمهيد له، ولإزالة كل العقبات التي سدته لسنين، لتمر عليه مواكب السلام معلنة نهاية النزاع وبزوغ فجر الاستقرار والازدهار والآمان.

لكن أين هي تلك "الروائع" التي تمخضت عن اجتماع الرباعية؟ وبماذا جاءت الرباعية اكثر من صيغ مكررة ومملة وفارغة ومخجلة! وماذا ستقدم رايس في لقائها المرتقب لعباس وأولمرت؟

كم بدا هزيلاً الأمين العام الجديد للأمم المتحدة عندما قزّم نفسه وقزّم موقعه وأخذ على عاتقه قراءة بيان الرباعية. كنا نأمل ألا يسلك طريق سلفه، بلا تقييم جريء شامل لمعنى الأمم المتحدة ورسالتها ومهمتها ومكانة أمينها العام.

من بين أشياء مهينة عديدة، ارتضى الأمين العام السابق لنفسه أن يسجل سوابق خطيرة، وأن يرضخ لإملاءات تتعارض وتتناقض مع مهمة المنظمة الدولية وميثاقها بكل وضوح. لقد كان قبول الأمين العام السابق أن يقلّص دور الأمم المتحدة لمجرد عضو من بين أربعة أعضاء في لجنة خلقت أصلا للالتفاف على دور الأمم المتحدة، ولتجاوز مؤسساتها وأجهزتها المتخصصة في تولي مهمة معالجة أهم وأكبر صراع في تاريخنا الحديث، كان قبوله بذلك يشكل ضربة كبيرة لهيبة الأمم المتحدة ولفاعليتها وجدواها.

المنظمة الدولية -التي تمثل جميع دول العالم وعددها يزيد على المائة واثنين وتسعين دولة- والتي يفترض في امينها العام ان يكون جزءا من اعلى مرجعية دولية، قلصت حجما ومكانة ومرجعية وكرامة، إلى مجرد ربع حصة في اللجنة الرباعية المشكلة من عضوين فقط من أعضاء المنظمة هما أميركا وروسيا، والاتحاد الأوروبي كعضو مكمل للمربع.

ألم يخطر ببال الأمين العام الجديد, بان كي مون, أن يختبر الظروف التي اوجدت هذه الرباعية، وأن يسأل ماذا حققت على مدى ما يقارب الخمسة أعوام من عمرها، وأن يسأل: أين هي تلك الدولة الفلسطينية التي وعدت الرباعية بأنها ستصبح حقيقة قائمة خلال ثلاث سنوات في بيانها في شهر تموز عام 2002؟

ألم يخطر ببال الأمين العام الجديد أن يسأل: ماذا حققت الرباعية سوى زج المنطقة في المزيد من العنف وعدم الاستقرار واليأس والتطرف؟ وأن يتساءل ايضا عن جدوى الاستمرار في استخدام المهدئات والمسكنات التي فقدت مفعولها في معالجة اخطر النزاعات على أمن وسلام المنطقة والعالم بأسره.

أما حان الوقت ليطلب الأمين العام الجديد وضع حد لتهميش دور الأمم المتحدة ولتعطيل القانون الدولي وإغلاق الباب على كل البدع التي ساهمت في ذلك، وابرزها بدعة الرباعية وخارطة الطريق، وليطالب تبعا لذلك أن تتولى الأمم المتحدة بأجهزتها المتخصصة، بمجلس أمنها، وبجمعيتها العامة، ملفات قضية الشرق الأوسط والنزاع العربي الصهيوني، ولتضعها في أعلى قوائم أولوياتها.

ما معنى احتكار أهم القضايا الدولية؟ ومن الذي فوّض الأمين العام، السابق والحالي، أن يقرر ضمن لجنة مصغرة لم تنبثق عن قرار دولي اصلا، بل انشئت بالصدفة نتيجة اجتماع عقد في مدريد في ربيع عام 2002 بين وزير الخارجية الاميركي ذلك الوقت, وبين آخرين قبلوا أن يوفروا الغطاء لسياسة اميركية متفردة بملف الصراع من اجل ضمان الحفاظ على مواقف اسرائيل.

ها هي الرباعية، وقد اجتمعت مجددا في واشنطن في مطلع هذا الشهر وبحضور الامين العام الجديد، لا تأتي بجديد، بل تكرر المكرر، وتحقن المنطقة ودولها وشعوبها بجرعات جديدة من عقاقير التخدير والتهدئة حتى تمرر تجارب جديدة للانقاذ من المأزق العراقي.

من جهة؛ عبرت اللجنة عن قلقها من انفجار العنف بين الفلسطينيين، ومن جهة أخرى تجاهلت الأسباب الواضحة التي أدت لهذا الاقتتال المرير والمفجع بين الفلسطينيين: تجاهلت الحصار وأكّدت استمراره بصيغ مغلفة بالبحث عن وسائل تمويل حديثة، وأكّدت كذلك المطالب القديمة التي وضعت أمام حماس منذ فازت بالانتخابات، دون أن تمعن النظر في صواب الإصرار على تركيز كل الضغط على الفريق الواحد، وإطلاق يد الآخر ليواصل عدوانه وممارساته الفظيعة وانتهاكاته الصارخة لكل ما هو قانوني ومشروع، وليستمر في ابتلاع الأرض وإذلال أهلها.

نعم، لقد حيّت الرباعية المساعي الاميركية لدفع عملية السلام، وعاودت تأكيد قيام دولة فلسطينية، كما حيّت المبادرة العربية وحيت خارطة الطريق، لكن التذكير بضرورة وضع جدول زمني لذلك جوبه بالرفض القاطع من قبل السيدة رايس، وبقيت المهمة مطلقة الأجل.

كل ما جاءت به الرباعية أنّها طالبت بتنشيط عملية السلام على طريقة "فداوها بالتي كانت هي الداء".

سفير الأردن السابق في الأمم المتحدة

التعليق