جميل النمري

ليس الا بعد القاع قاعُ

تم نشره في السبت 3 شباط / فبراير 2007. 02:00 صباحاً

منذ وقت طويل لا اذكره، كان التعليق السائد عن الواقع العربي اننا وصلنا القاع، وما بعد القاع الا ارتفاع. وها نحن نكتشف انه ثمة بعد القاع قيعان وقيعان؛ هاك ما وصلنا اليه في العراق وفلسطين!

اريد هنا الحديث عن العراق بمناسبة استقالة ممثل الجامعة العربية من عمله في بغداد، ومقابلته مع صحيفة الشرق الاوسط، وهي ترخي على القلب سدولا من الكآبة والسواد.

مختار الماني، ممثل الجامعة، ترك العراق يائسا ومتوقعا المزيد من التفتت. فالاحتراب سينتقل داخل الطوائف نفسها. وكنّا أمس قد تحدثنا عن مجزرة "جند السماء" الغامضة في أطراف النجف. وقد أصدرت هيئة العلماء المسلمين، امس ايضا، بيانا يطالب بتحقيق دولي لكشف حقيقة المعركة التي يؤكد البيان أنها مجزرة رهيبة، دبّرت ضد عشيرة الحواتمة العربية، لأنها لا تدين بالولاء لأي من أطراف الائتلاف الشيعي الحاكم.

وقد يكون في بيان الهيئة جانب من الحقيقة، والجانب الاخر ان هؤلاء ينتمون الى فئة شيعية مختلفة تماما مع الاحزاب الحاكمة وميليشياتها، وليس ببعيد انهم كانوا بصدد التوجه للاحتفاء بعاشوراء.

واعلانات الجهات الرسمية الغريبة والمتناقضة تكشف تمويها مقصودا على الحقيقة، لكن التصريحات الميدانية للمسؤولين كشفت ايضا ان الجموع المستهدفة كانت تضمّ عائلات كاملة، وقد صدرت التعليمات ببساطة بدفن الجثث في مقبرة مجهولي الهوية شمالي مدينة النجف، بعد أن تم، وفق التصريحات "تصوير الجثث، وإعطاء كل منها رقما لسهولة الاستدلال عليهم عند مطالبة ذويهم بهم".

وبحسب ما يقول ممثل الجامعة العربية، فالعشائر العربية الشيعية في جنوب ووسط العراق ليست مرتاحة، وتعاني من التغلغل الايراني الكثيف. واذا كان التطهير الطائفي الوحشي الآن يطغى على سواه، ويبرز التناقض السنّي-الشيعي، فان المزيد من المواجهات المقبلة ستحدث داخل كل فئة. ويعطي ممثل الجامعة صورة مرعبة لانقسام الميليشيات التي تتشكل من اولاد بين السابعة عشرة والثامنة عشرة من العمر.

لقد نشرت مجلة نيوزويك تقريرا مرعبا عن حال الجيل الجديد من اطفال العراق. ويقول مختار إن شخصا متهما بمحاولة تفجير مرقد أحد الأئمة تم قطع رأسه وأعطي للاولاد الذين بقوا يلعبون به لساعات! هكذا ينشأ الجيل الجديد من أولاد العراق!

مختار لم يكن يعيش في المنطقة الخضراء بل خارجها، بحماية حرس كردي وفره وزير الخارجية زيباري. وقد طاف كلّ العراق، وقابل كل الأطراف والشخصيات، ابتداء بفصائل المقاومة؛ ويرى أن الأخطاء المرعبة أوصلت البلاد الى الكارثة، وكل طرف عراقي يفكر بما يستطيع الحصول عليه وليس تقديمه، والوضع وصل الى درجة بالغة التعقيد، وهو مكبّل اليدين، والعرب لا تتوفر لديهم الإرادة لممارسة الدور المطلوب، مما ترك لديه شعورا بالقهر، فكتب مذكرة للأمين العام عمرو موسى استعرض فيها الوضع في العراق، والظروف التي عمل فيها، وأبلغ السيد عمرو موسى أنه لا يرى أي توجه حقيقي لمعالجة الموضوع، وأنه قرر أن ينسحب من هذه المهمة!

jamil.nimri@alghad.jo

التعليق