حكومة مستورة!

تم نشره في الخميس 1 شباط / فبراير 2007. 03:00 صباحاً

اخيرا اعلنت الحكومة عن تقريرها الخاص بأزمة الثلجة، عبر تصريح صحافي مقتضب وقصير لوزير تطوير القطاع العام. التصريح الذي جاء مساء الثلاثاء، برر ما جرى بأن الثلجة لم تأت على الاردن منذ عشرين عاما. واعترف الوزير بوجود اخطاء، لكنه لم يقدم تفصيلا، وقال ان الحكومة ستعاقب المقصرين. لكن العقوبات، كما اشار الرئيس خلال لقائه مع عدد من الكُتّاب، ستكون سرية وغير معلنة، وهذا ما تحدث عنه الوزير.

والمشكلة داخل الحكومة ان اطرافا مهمة فيها تشعر ان هذه القضية بسيطة، ولا تستحق كل هذه المتابعة. لكن هذه القناعة الخاطئة، يناقضها قيام الحكومة بتشكيل لجنة التحقيق الوزارية، الا اذا كانت الحكومة تفعل هذا من باب "مداراة" الناس والإعلام ومجلس النواب! ومع ذلك، فليس مهما ان تكون الحكومة مقتنعة بأن القضية بسيطة ولا تستحق كل هذا، بل المهم هم الناس والمتضررون.

واصرار الحكومة على الحديث عن التقرير باقتضاب يجعلنا امام خيارين: اما انه تقرير وصل الى عمق الاسباب، وحدد نقاط الضعف والتقصير من المركز الى المحافظات، وهي لا تريد بالتالي نشر هذه القناعات والاستنتاجات، او ان هذا التقرير شكلي، وفيه مجاملة من الوزراء اعضاء اللجنة لزملائهم في الوزارات المعنية بالتقصير، ولهذا كان "تطييب الخواطر"، عبر اعتراف بتقصير ونقاط ضعف، واقتراح مجموعة اجراءات وقائية. إلا أن الاخفاء او المجاملة نقاط ضعف في اداء اللجنة الوزارية، وتفريغ لفكرة التحقيق من مضمونها.

وما يلفت الانتباه اصرار الحكومة على انها ستعاقب المقصرين، لكن من دون ان تعلن، اي بشكل سري! فالحكومة مستورة تحب الستر. لكن هذه السرية في غير وقتها، وعندما نطالب بعلنية العقوبات، فلأننا نخشى ان تستقوي الحكومة على صغار الموظفين، وتترك اصحاب المسؤولية الحقيقية. فالرئيس تحدث عن ان المسؤولين هناك لم يخرجوا خطط الطوارئ من الادراج، لكننا نخشى ان تذهب الحكومة الى معاقبة سائق الجرافة التي كانت خالية من الوقود، من دون ان تذهب الى سؤال الكبار، حتى في عمان، عن عدم المراقبة والمتابعة!

العقوبات سرية لو كان المقصرون في عمل سري، او جهة ذات عمل محدود الانتشار، أما عندما نتحدث عن قضية تحولت الى قضية رأي عام، وكانت حديث الاردنيين، فهذا يعني ان الحكومة تخترع نمطا اداريا، او انها لا تريد ان تعاقب احدا، او ان العقوبات ستذهب الى الصغار. فإذا كان هنالك خلل في عمل مديرية الاشغال، مثلا، فيفترض ان نذهب الى كل تفاصيل التقصير؛ وان كان من البلديات فالامر كذلك، وهكذا فيما يتعلق بسائر الوزارات المعنية.

في دول العالم عندما يخرج قطار عن خط سيره لتقصير في شروط السلامة، يستقيل مدير هيئة سكة الحديد وليس سائق القطار، اي ان المسؤول الاول هو المسؤول عن اي خلل من النوع الذي يتحول الى ازمة، فـ"الغنم بالغرم"، لانه لو كانت هناك اوسمة او مكافآت مالية فسيتقدم الكبار لحملها وأخذها، اما الصغار فتصلهم كتب الشكر او كلمة "يعطيك العافية" التي تصرف بشكل جماعي.

مرة اخرى، ليس المطلوب التشهير بالناس، لكن تجربة الحكومات المتعاقبة تجعلنا نخاف على الصغار من الموظفين او غير المدعومين.

القضية ليست في الثلجة وأزمتها، بل في كون ما حدث احد مقاييس العدالة والشفافية والاداء الاداري السليم. فالحكومة ارتبكت ثم ارادت محاسبة نفسها والتحقيق؛ والان هي تقرر من اخطأ ومن لم يخطئ، ثم تعلن انها ستصدر العقوبات بشكل سري، اي قد لا يعاقب احد، وربما يعاقب الصغار، وربما ايضا تكون العقوبات استنادا إلى قناعة الحكومة ان الامر لا يستحق كل هذه "الدوشة"!

الادارة السليمة تفرض ان تكون العقوبة رادعة لكل الجهاز الاداري، بحيث لا يجرؤ احد على ارتكاب خطأ، اما العقوبة التي لا يسمع عنها احد، او لا تصيب مستحقها، فهي تساهم في تكرار الاخطاء، حتى في قضية تعتقد الحكومة انها عادية، وسببها ان العاصفة الثلجية اكبر مما توقعنا!

لندعو الله ان يجعل الثلوج والامطار وفق قدرات الحكومة، وكفاءة آليات الأشغال والبلديات، وان تأتي وفق جدول زمني يتناسب مع برنامج توزيع الوقود على جرافات الحكومة!

sameeh.almaitah@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »راي (عمر)

    الخميس 1 شباط / فبراير 2007.
    ارى ان يتم اقالة كل مديري الاشغال في كل المحافظات التي حدث بها التقصير. دون معاقبة اي موظف اخر وهذا هو العدل.
  • »البلد غير مؤهل للتعامل مع أزمات الثلوج والتجمد الجليدي الذي يأتي فجأة. (خالد مصطفى قناه .)

    الخميس 1 شباط / فبراير 2007.
    أستاذ سميح، هذا ليس دفاعا عن الحكومه بل أنني أروي لكم تجربتي الشخصيه في داخل الأردن، عام 1988 كنت أدرس بكلية الحصن للمهن الهندسيه، وتبعد الحصن عن مزرعة أهلي حيث كنت أقيم مع الأهل مسافة ثلث ساعه بالسياره، وأذكر جيدا في تلك السنه نزلت عاصفه ثلجيه عنيفه، حبست كل الناس في بيوتهم، سائقي السيارات والباصات، فلم أستطع التنقل والخروج من بلدة الحصن وكنت مدعوا لمنزل أحد الأصدقاء الذي وعدني بتوصيلي للمزرعه على منتصف طريق عجلون وأن السيارات متوفره حسب اعتقاده، خرجنا للبلد وكانت خاويه حتى من الماره، انعدمت فيها الحياه، الكل لبد في بيته، ولهذا لقبت مدينة اربد ( البد ) ليلا وشتاءا، أنا القادم من كندا والمعتاد على ثلوج وصقيع القطب الشمالي، لم أستطع النوم طوال الليل لشدة البرد في الحصن تلك الليلة الليلاء، لأن البيت الذي نزلنا فيه على الرغم من حداثته، غير مجهز بالتدفأه المركزيه المطلوبه، فارتعشت أوصالي طول الليل ، وتغطيت حتى بالبساط المغزول من شعر الماعز، السيارات ليس لديها اطارات للتعامل مع الثلوج والجليد والباصات كذلك ، فأسلم شيئ خوفا من الانزلاقات والتهور بالطرقات الضيقه الاعتصام
    بالبيت.
  • »ماجرى لقضاء المريغه خلال العاصفه الثلجيه (عبدالله الدراوشه)

    الخميس 1 شباط / فبراير 2007.
    ان الناس تواصلوا مع كل الجهات وبقو محاصرين اربع ايام انقطعت الكهرباء والغاز والكاز والديزل غير متوفر وخبز لم يتوفر كم من اسره نام ابناءه على الصقيع من قلة الوقود وكم من عائله لم يتوفر خبز يسدوا به الجوع واعلمك اخ سميح ان القضاء كان فيه جرافه لهندسة بلديات معان بالصدفه موجوده في المريغه وجرافة المتعهد انقطعت من السولار في قرية ابواللسن والادهى والامر عندما احضر المتعهد جرافه كريدر فتح الطريق لغاية قرية الفيصليه حتى يخرج سياره نوع جيب (برادو) عالقه هناك بسبب الثلج وسحبها وترك الناس الذين تقطعت به السبل على جانب الطريق وتواصلنا مع كافة الجهات حتى يفتحوا الطرق الداخليه على الناس فرفضوا ولم يفتحو اي طريق داخلي من نحاسب في معان ومن يسأل وهل التقصير يلقى على صغار الموظفين الذين لا حيله ولا قوه لهم ام كبار الموظفين اصحاب القرار والسيطره وللعلم لو لقي راس النقب كريدر واحد يعمل بذمه وضمير لم يغلق بهذه الطريقه السيئه والثلج كان طبيعي قبل عشر سنوات يتم فتح الطريق بساعتها ويقدموا المواد الغذائيه للناس ويستجيبو للناس فما بالك بعصر التطور عصر الخدمات اغلقت الطريق اربع ايام وانقطعت عنهم الخدمات
  • »لا حاجة لعقوبات بل الى ما يسمى Public Enquiry (نهاد اسماعيل)

    الخميس 1 شباط / فبراير 2007.
    من الخبرة البريطانية هناك رادع قوي أشد قسوة من الاستقالة او الطرد من الوظيفة. يتم تشكيل لجنة مستقلة يترأسها قاضي او خبير وتدرس كل الظروف التي أدت الى اخفاق كبير او عجز في علاج مشكلة او طاريء والبرلمان يعطي اللجنة صلاحيات بمساءلة كل من له علاقة من رئيس الوزراء للسائق مثلا وبعد شهور يتم نشرالتقرير الذي لا يخجل من ذكر اسماء ومناصب المقصرين ويضع التقرير يده على الخلل ويعطي توصيات للمستقبل. ومن يتم انتقاده او فضحه كمقصر يظهر اسمه وصورته في الصحف والتلفزيون ويحاول تبرير موقفه ولكن هذا لا يجدي. المهم هو استخلاص الدروس والعبر من الفشل في الاداء. البعض يستقيل وفي حالات نادرة يتبع نشر التقرير عمليات انتحار وفي احد قضايا فشل أجهزة الأمن والمخابرات باعطاء معلومات صحيحة بشأن العراق انتحر مسؤول كبير قبل نشر التقرير بأسابيع وخلال 24 ساعة من الخضوع لمساءلة اللجنة.
  • »Following up (Hassan Okour)

    الخميس 1 شباط / فبراير 2007.
    Thank you brother for your focused articles. You always touch significant issues that should be especially taken care of by our government. Yet, I always ask if there are any follow ups to the issues you touch?! You are doing your best job as a journalist, yet our representatives should carry on your mission in following up with the government in handling those issues. But are our representatives and government doing their part?!!!