تنكة السمن البلدي

تم نشره في الأربعاء 31 كانون الثاني / يناير 2007. 02:00 صباحاً

الفساد مثل غيره من الأمور تتطور أشكاله وتتغير وسائله. وكما قال احد الزملاء، قبل عقود كانت مرتبة عليا من الفساد حصول أحدهم على خط باص او موافقة على مكتب تكسي، وإذا كان هذا الشخص يخاف من الرقابة وألسنة الناس قام بتسجيل الباص او مكتب التكسي باسم زوجته او احد ابنائه، وإن كان من المستعجلين على قطف ثمار الفساد قام ببيع خط الباص او رخصة المكتب ووضع الآلاف في جيبه.

الفساد كان، ايضاً، مغلفا متخما بالدنانير من فئة العشرين ديناراً، قبل ان يتم اصدار فئة الخمسين، لمن لا يستحق، وهذا النوع من الفساد ما زال موجوداً، لكنه يغيب سنوات ويعود ثم يغيب. والفساد بشكله البسيط عزومة على منسف تكلف صاحبها (300) دينار ما بين اللحم والجميد والارز والكنافة، ومن تقام العزومة "على شرفه" يدفع مقابلها قراراً اداريا بتعيين او نقل، او أي قرار لو لم يكن لصاحب العزومة مصلحة فيه، لما دفعت "الخرفان" ثمناً من حياتها.

وفي زمن بعيد كانت السمنة البلدية من أدوات الفساد! فالبعض كان يتلقى رشوة او هدية عبارة عن تنكة سمنة بلدية وأحيانا (نُصية) من السمنة، واحيانا كان الحلال الحي جزءاً من الهدايا المشروطة، وبخاصة عندما يكون طلب القرارات في بيت المسؤول، فيأتي الانسان المسكين بخروف او جدي او كبش يجره الى بيت المسؤول حتى يحصل على حقه في تعيين ابنه او الحصول على بعثة دراسية.

لكن الفساد كائن حي يتطور، وكم كانت فاتورة الفساد بسيطة عندما تكون قيمتها خط باص او مكتب تكسي، فهذا قيمته (10) او (20) ألفا من الدنانير. أمّا اليوم فيمكن لشركة ان تقوم في مكان ما من العالم وتدّعي أنها تريد إقامة استثمارات، ومن باب دعم الاستثمار من الدول تعطى لها الأرض بسعر شبه رمزي، ومع ضجيج الاستثمار وحجر الاساس وإعلانات ترتفع الارض عشرات الأضعاف، وعندها يتم البيع بأسعار خيالية تفوق حتى رأسمال المعلن لهذه الاستثمارات، ونظريا تسجل الدوائر الرسمية أرقام بضع ملايين، لكن تجارتها الحقيقية كانت في اراضي الدولة، فباعت مواطني الدولة ارض دولتهم، لكن الارباح بعشرات الملايين ذهبت للمستثمر "النظري" الذي لا ينسى فضل من ساعدوه؛ فأيهما يستنزف مقدرات الدولة تنكة السمنة البلدية وخط الباص أم مثل هذا الاستثمار الشكلي؟!

في بلادنا يتحدث المسؤولون، العاملون والمتقاعدون، عن تهرب ضريبي في مرحلة سابقة،  وصل الى اكثر من (600) مليون دينار. والتهرب الضريبي يعني أن أثرياء وأصحاب نفوذ رفضوا بشكل ما دفع ما عليهم من ضرائب، وهذه الضرائب زادت على (600) مليون دينار، فكيف تهرب هؤلاء من الدفع؟ ومن الذي سكت عنهم سنوات وسنوات؟ وكيف تجري بقية امورهم ومعاملاتهم الرسمية وغالبها مالية وعليهم هذه الملايين مع أنّ أي شخص يترك وظيفته لا يتم إنهاء أوراقه إلاّ إذا جاء ببراءة ذمة من ضريبة الدخل حتى وإن كان راتبه غير خاضع للضريبة؟

(600) مليون تهرب ضريبي، لكن اي مواطن يتأخر عن دفع فاتورة المياه لدورتين يتم قطع المياه عنه، والهاتف الخلوي او الارضي لا تجتمع عليه فاتورتان إلاّ ويتم فصله، وحتى المواطن الذي عليه ضريبة مسقفات فإنّه وإن تأخر عدة سنوات فإنّ أول معاملة رسمية تجبره على دفع ما عليه؛ فكيف يتم تسيير معاملات هؤلاء وهي كثيرة، ولهم شركات ومصانع دون أن يدفعوا ما عليهم؟!

قديما كانت تنكة السمنة او الخروف تُدفع لتعيين شخص موظفا في البريد او الصحة او أي دائرة رسمية، وهذا يقودنا الى إلغاء تصنيف هذه الأفعال من دائرة الفساد؛ فهي لا تقارن بتعيين شخص بموقع مدير عام او امين او وزير لأن له واسطة او لأنه ابن وزير او رئيس. والمشكلة ليست في أن يأتي شخص وزيراً، وهو قليل الكفاءة والخبرة، بل في أنّ هذا الشخص سيعود مرة بعد أخرى. واذا لم يجد له أنصاره موقعا وزارياً ذهب سفيراً أو غيرها من المواقع الهامة. لهذا نقترح على من يمارسون الواسطة، على حساب هذه المواقع، أن يعودوا إلى فكرة المغلفات او مردود مكتب التكسي او خط الباص، فاذا توفر اصرار على تنفيع شخص او اعطائه جاها لأنه ابن فلان او حفيد علان او صديق زيد او محسوب على عبيد، فلا يتم هذا عبر اعطائه موقعا خاصا بخدمات الناس وأمور الدولة، بل لتجتمع لجنة من اصحاب القرار الذين تتوفر فيهم الموضوعية، وليقدروا لهذا الشخص تعويضا مناسبا عن (حرمانه!) من هذا الموقع ومنحه اياه بدلاً من أن (يركب) على رأس الاردنيين، بل ويصدق أنّه نعمة من الله تعالى على هذا الشعب، ويُصدق أنّه صاحب كفاءة وأنّ الدولة لا تسير دون حضوره.

مع تقديرنا لصدق توجهات الحكومة ومجلس الأمة في إقرار مشروع اشهار الذمة المالية إلاّ أنّ هذا القانون ومعه كل التشريعات التي جاءت لتحارب الفساد تحتاج إلى أن تتطور بسرعة تطور الفساد. فهل نعتقد في زمن غسيل الاموال وغسيل الاشخاص والدول أن من يأتي إلى رصيده بمال غير شرعي لا يجد وسيلة لإخفائه عن الحكومة او دائرة معينة بالمتابعة.

فهل المال او الرصيد يوضع في (شوال) تقوم الدولة بعدّه عند تعيين الشخص, أم إنّ الدنيا فيها حكايات الأرقام السرية، أم إنّ بنوك العالم وأسواق الأسهم وسندات تسجيل المزارع والفلل المتناثرة في العالم تتبع إداريا للحكومة الأردنية!

sameeh.almaitah@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »خروج من معضلة فساد المسؤولين (أمين)

    الأربعاء 31 كانون الثاني / يناير 2007.
    اعتقد أن المشكله تكمن في حجم الصلاحيات المعطاة للوزراء , وحلها يكمن في اعتماد لجنة مختصة دائمه ذات صلاحيات واسعة ترسم الخطط لكل وزارة وما على الوزير الا حسن تنفيذ هذه الخطط فقط , بهذه اللجنة الوزارية تحد من صلاحيات الوزراء وتخفف عنهم الضغوط الخارجيه.
  • »Nice Artcile (Karen)

    الأربعاء 31 كانون الثاني / يناير 2007.
    Le wouldl vraiment I aiment remercier l'auteur de cet article..It soulignent que quel happend dans la vraie vie...
    Nice..and allez sur Samee7


    الترجمة
    -------
    حقا، أحب رومانسية الكاتب.. التي تشير الى أن ما تحتويه حدث حقا في الحياة الواقعية.. جميل، وأحسنت سميح.
  • »تيتي تيتي مثل ما رحتي أجيتي. (خالد مصطفى قناه .)

    الأربعاء 31 كانون الثاني / يناير 2007.
    أستاذ سميح ، مسألة الرشوه والمحسوبيه بالبلاد العربيه مسألة عاده تراثيه وأصبحت من خصائص المجتمعات العربيه. في عام 1965 كنت موظفا بدائرة الاحصاء وأعمل في دراسة ميدانيه للتعداد الزراعي ومعنا عينه من الأسماء لمراقبة النتائج وتدقبق المعلومات ، انتهينا من كل الأسماء وبقي اسم واحد من المتنفذين بالمنطقه لم نستطع دخول بيته مرارا وتكرارا لتدقيق استمارة الاحصاء التي تحتاج لعشر دقائق لا أكثر من وقت الأفندي. فاستعنت بمفتش الدائره آنذاك ، وقال لي بسيطه ( بكره منروح ومنزوره ) . هذا صديق للعيله ، وطلب المفتش من أمه أن تعمل فطائر زعتر أخضر بزيت الزيتون الجديد كهديه للباشا حتى نستطيع أن نحظى بمقابلته وننهي مهمتنا ، وفعلا استيقظت والدة المفتش من نومها بالفجر الباكر وقامت بعجن وخبز الفطائر بالطابون البلدي وحملنا الفطائر بالسلال لدار الباشا، ولما وصلنا الباب تناول الحارس السلال المليئه بالفطائر ودخل بها ثم عاد بعد قليل ليخبرنا أن الباشا مش موجود ، فقلت للمفتش معاتبا هيك خليت أمك هالعجوز المسكينه تشتغل طول الليل فقال مبررا غياب الرجل قد يجوز أنه معذور عنده شغله أهم، وليش هجيت؟
  • »الله يقويك اخي سميح (العمري - اربد)

    الأربعاء 31 كانون الثاني / يناير 2007.
    اشدعلى يدك في قول الحق ونطقه. ان اهلنا في الاردن لا يستحقوا الا كل خير واقصد طبعا من لا منبر له على رأي قناة الجزيرة. نريد مسوؤلا في مستوى الشجاعة وتقوى الله ويحاسب اللصوص اي كان ومن كان وجعل المنصب الذي احتله جمهورية موز وسرق حقوق العباد والبلاد.
    الله يقويك اخي سميح.
  • »شكرا (عمر سعد)

    الأربعاء 31 كانون الثاني / يناير 2007.
    باختصار شديد..

    انت رائع يا استاذ سميح