التحيز الأوروبي يمثل أمام المحكمة

تم نشره في الأربعاء 24 كانون الثاني / يناير 2007. 03:00 صباحاً

تُـرى ما هي قيمة المعاهدات الأوروبية الرامية إلى ضمان العدالة القانونية لكافة المواطنين في الوقت الذي تتعرض له مجموعات كاملة من المواطنين للتمييز على نحو منتظم؟ هذا هو السؤال الذي تواجهه محكمة حقوق الإنسان الأوروبية(ECHR) هذا الأسبوع بينما تبدأ هيئتها العليا، المؤلفة من سبعة عشر قاضياً، النظر في استئناف حكم أولي يرفض مزاعم التمييز ضد الغجر، والذي كانت السلطات التعليمية في جمهورية التشيك قد أصدرته في وقت سابق.

إن كافة الدول الأوروبية أعضاء في المجلس الأوروبي، ولقد وقعت جميعها على المعاهدة الأوروبية الخاصة بحقوق الإنسان، كما تبنت تسع وثلاثون دولة، من أصل الدول الست والأربعين الموقعة، معاهدة إطار العمل الخاصة بحماية الأقليات الوطنية، ووافقت 14 دولة على تعديل البروتوكول الثاني عشر الخاص بحظر التمييز. وعلى الرغم من كل ذلك فما زالت ظروف العديد من الغجر المعيشية مروعة.

وعلى الرغم من أن التقارير الأخيرة الصادرة في العام 2006 عن مركز مراقبة العنصرية وكراهية الأجانب التابع للاتحاد الأوروبي ومجلس مفوضي حقوق الإنسان الأوروبي قد لاحظت حدوث بعض التحسن، إلا أنها أشارت إلى ركود ظروف الغجر المعيشية، إن لم يكن تدهورها. فما زال الغجر ضحايا للتمييز فيما يتصل بالإسكان، والتوظيف، والرعاية الصحية، والتعليم، على الرغم من الجهود المحلية الملموسة والتي يدعمها المجلس الأوروبي.

ويشكل التمييز على المستوى التعليمي أهمية خاصة نظراً لتأثيره العميق على حياة ضحاياه. وفي أشد الحالات تطرفاً يصبح النظام التعليمي ذاته عُرضة للتمييز: المدارس المعزولة في المعسكرات النائية؛ والفصول المخصصة لأطفال الغجر في المدارس العادية؛ وارتفاع نسبة أطفال الغجر في الفصول المخصصة للأطفال الذين يعانون من صعوبات في التعليم.

تواجه محكمة حقوق الإنسان الأوروبية الآن المشكلة الثالثة في القضية الأولى، فضلاً عن دعاوى أخرى مقامة ضد جمهورية التشيك. ولقد تم توجيه نظر المحكمة إلى 18 حالة لفتيات وفتيان وضعوا في مدارس خاصة بالأطفال ممن يعانون من صعوبات في التعلم، في الفترة من العام 1996 إلى العام 1999، سواء على نحو مباشر أو بعد فترة من الدراسة في المدارس الابتدائية. وكانت المسألة تتلخص في تحديد ما إذا كان هؤلاء الأطفال ضحية للتمييز بسبب وضع الأقلية الوطنية التي ينتمون إليها.

كانت الحكومة التشيكية قد اعترفت بأن تعداد بعض هذه المدارس الخاصة يشتمل على 80% إلى 90% من أطفال الغجر. ولكن إذا ما ثبت التمييز في هذه الحالة، فإنه لم يكن مباشراً، وذلك لأنه طبقاً للقانون التشيكي لا يمكن اتخاذ قرار كهذا إلا بواسطة مدير المدرسة وبناءً على نتائج اختبار ذكاء يتم في أحد المراكز الاستشارية المختصة بسيكولوجية التعليم، وبشرط موافقة والدي الطفل أو الوصي الشرعي عليه.

إن الاختلاف في المعاملة لا يشكل تمييزاً في حد ذاته. فطبقاً للسابقات القضائية للمحاكم الوطنية العليا ومحكمة حقوق الإنسان الأوروبية، لا يثبت التمييز إلا حين يعامل أشخاص في ظروف مماثلة على نحو آخر. إلا أن السابقات القضائية الوطنية والدولية تقر بأن أي تدبير أو إجراء لا يشكل تمييزاً من حيث النظرية قد يتحول إلى تمييز واضح في التطبيق. وعلى هذا فإن التمييز المزعوم في القضية الحالية لا ينبع من القانون ذاته، بل من التأثيرات المترتبة على القانون، حيث يعتمد جانب الادعاء بصورة أساسية على إحصائيات تؤكد ارتفاع التمثيل النسبي لأطفال الغجر في المدارس الخاصة.

هناك العديد من التقارير الأخرى المتاحة عن وضع الغجر في جمهورية التشيك، بما في ذلك تقارير أعدها المجلس الأوروبي. ولكن كما أكدت المحكمة، فهي لا تستطيع إصدار حكمها إلا على الحالات التي أحيلت إليها، ولا يجوز لها أن تعرب عن رأيها في شرعية نظام التعليم في جمهورية التشيك، وذلك لأن الاختيارات الخاصة بالفرص التعليمية تقع تحت نطاق صلاحيات الدول، وهي بهذا عُرضة للتفاوت.

بناءً على هذا الافتراض، ونظراً للقضية التي من المفترض أن ينبني على هذا الافتراض حلها، فقد أصدرت هيئة محكمة حقوق الإنسان الأوروبية، المؤلفة من سبعة قضاة، حكمها ضد المدعين في شهر فبراير/شباط من العام 2006، منتهية إلى استنتاج مفاده أن قانون المدارس الخاصة لا يستهدف الغجر بصورة خاصة ولا ينطبق عليهم فقط. وطبقاً للمحكمة، فإن الهدف المشروع للقانون يتلخص في تكييف التعليم وفقاً للمصاعب التي تواجهها فئة معينة من التلاميذ. كما ترى المحكمة أن الاختبارات النفسية تبدو موضوعية إلى الحد الذي لا يسمح باتهامها بالتحيز العنصري. فضلاً عن ذلك فإن شرط الحصول على موافقة الآباء قبل وضع الأطفال في مدارس خاصة يظل سارياً، بينما كان بوسع أطفال الغجر الذين وضعوا في البداية في مثل هذه المدارس، أن يعودوا إلى المدارس العادية، وبالتالي الاندماج في التعليم الطبيعي.

على الرغم من الأسس الراسخة التي ربما ينبني عليها قرار المحكمة، إلا أن الشعور بعدم الارتياح ما زال ملحاً. فمن الصعب أن نتجاهل الإحصائيات التي تؤكد النسبة الهائلة من أطفال الغجر في هذه المدارس، ومن العسير أن نتجنب شبهة التمييز في هذا السياق. وعلى الرغم من تغير القوانين إلى أن العقليات تعجز عن ملاحقة التغيير بنفس السرعة. ونحن ندرك بالحدس أنه من السهل أن نجعل تعبير "الحالة النفسية" يعني العديد من الأمور.

الحقيقة أن المحكمة استشعرت، قبل أن تعلن عن قرارها، بضرورة الإقرار بأنها على الرغم من أنها لا ترى أن المعاهدة قد انتهكت، إلا أن الإحصائيات ما زالت تكشف عن "أرقام مثيرة للقلق، وأن الموقف في جمهورية التشيك بصورة عامة يتطلب المزيد من محاولات التحسين فيما يتصل بالاحتياجات التعليمية لأطفال الغجر". ولقد عبر جون بول كوستا رئيس المحكمة عن وجهة نظر مماثلة، دون التشكيك في شرعية القرار، إلا أن رأي القاضي كابرال باريتو كان مخالفاً.

فضلاً عن ذلك، فقد كانت موافقة المحكمة، بناءً على طلب أطراف القضية، بإحالة قضية الاستئناف إلى هيئتها العليا، ذات مغزى واضح. وطبقاً لتصريح كوستا فإن رفض الحكم الصادر في شهر فبراير/شباط 2006 سوف يتناقض مع السابقات القضائية. هل يتعرض قرار المحكمة إذاً إلى الآليات التي تحكم النظام التعليمي ذاته في جمهورية التشيك؟ أم أنها سوف تتبع رأي القاضي باريتو، الذي ينادي بالإقرار بضرورة الالتزام بتبني سياسات العمل الإيجابي الرامية إلى تحقيق مصالح الغجر؟

أياً كانت الصيغة التي ستتبناها المحكمة فمن المؤكد أن أطفال الغجر لابد وأن يحصلوا على نفس الفرص التي يحصل عليها الأطفال الآخرون. وهذا الإلزام هو الذي يشكل الأساس الذي يبرهن على أهمية القرار القادم. فهذا القرار يشكل فرصة لابد وأن تستغلها المحكمة في إعادة تقييم المبدأ الجوهري الخاص بعدم التمييز والذي يشكل سمة أساسية من سمات مجتمعاتنا الديمقراطية.

روبرت بادينتر رئيس المحكمة الدستورية الفرنسية الأسبق. وأثناء عمله كوزير للعدل ألغى المقصلة وعقوبة الإعدام في فرنسا. وهو الآن عضو بمجلس الشيوخ الفرنسي.

خاص بـ "الغد" بالتنسيق مع بروجيكت سنديكيت

التعليق