محمد أبو رمان

غياب بن لادن: دلالاته وتداعياته

تم نشره في الأربعاء 24 كانون الثاني / يناير 2007. 03:00 صباحاً

يطرح غياب بن لادن عن المشهد الإعلامي منذ قرابة ستة أشهر- حيث كان آخر ظهور له بعد مقتل أبو مصعب الزرقاوي في حزيران من العام المنصرم وإعلانه أبا حمزة المهاجر خليفة له في العراق- أسئلة حقيقية عن سر اختفاء زعيم شبكة القاعدة العالمية، في ظل تقارير أمنية وإعلامية عن تدهور صحته كثيراً في الآونة الأخيرة، وربما وفاته، وهي التقارير التي لا ينفي صحتها بعض المتابعين والمقربين من تنظيم القاعدة.

كان من الملفت في الشهور الأخيرة كثافة الظهور الإعلامي للرجل الثاني في القاعدة، أيمن الظواهري، الأمر الذي فسّره البعض تحوّلاً في طبيعة التنظيم ودور القيادة فيه من حالة التخطيط المركزي إلى اللامركزية الشديدة، واقتصار دور زعامته المركزية على تعريف الموقف الاستراتيجي لأتباعه في العالم، وتوضيح المسافات والخيوط الرئيسة لنشاطه وتوجهاته تجاه التطورات والأحداث المختلفة، وهذا ربما يمثل أحد جوانب التحليل والتفسير، لكن يمكن أن يكون هنالك جانب آخر مرتبط بغياب بن لادن، سواء بداعي المرض أو الوفاة، وهو التوطئة النفسية والزمنية لأنصار القاعدة ومؤيديها والرأي العام الإسلامي لقيادة الظواهري، بخاصة أنّ الرجل، أي الظواهري، عمد في الفترة الأخيرة إلى تأكيد قوة القاعدة وحيويتها، بإعلانه انضمام قيادات من الجماعة الإسلامية المصرية للقاعدة وكذلك الجماعة السلفية للدعوة والقتال في الجزائر، وإن كانت الحالتان موضع خلاف وجدل حقيقي.

ثمة احتمالان رئيسان، في هذا السياق؛ الأول أنّ بن لادن في حالة صحية حرجة للغاية، ما يحول بينه وبين الظهور الإعلامي، والتصدي لمتابعة شؤون الشبكة في العالم، ويجعل من الرجل الثاني، الظواهري، عملياً هو الزعيم والرجل الأول، ويطرح في هذا السياق تساؤلات حول طبيعة مرض بن لادن: فيما إذا كان دخل في غيبوبة أو حالة لا يمكن الشفاء منها، أم أنّ حالته خطيرة، لكنها غير ميؤوس منها.

الاحتمال الثاني أن بن لادن توفي بالفعل، وفي هذا المجال ينقسم المحللون والراصدون لتنظيم القاعدة إلى اتجاهين رئيسين؛ الأول يرى أنّ هذا الاحتمال غير وارد، فمن سُنّة القاعدة الإعلان عن حالة الوفاة أو "الشهادة" لأي من قياداتها ورموزها وعناصرها، وتمتاز في هذه القضية بالشفافية الشديدة، إذ تعتبر الشهادة أو الوفاة مفخرة ووساماً أمام أتباع التنظيم من ناحية، كما أنّ هنالك حقوقاً ترتبط بالتركة وحقوق الورثة والمسائل الشرعية لا يجوز تأخيرها.

أماّ الاتجاه الثاني فيرى أنّ المسألة أعقد من ذلك، ووفاة بن لادن سيكون لها وقع الصاعقة على الأنصار والمؤيدين في مختلف أنحاء العالم، بخاصة في ظل عجز التنظيم، في السنوات الأخيرة، عن القيام بأي عملية ذات أثر كبير خطير، كعملية الحادي عشر من سبتمبر، في حين أنّ ظهور جماعات مرتبطة بفكر القاعدة، هنا أو هناك، إن كان مؤشراً على مرونة القاعدة وإمكانية تجددها وتكيفها مع التطورات المتتالية، فإنه يضع علامة استفهام على وحدة القاعدة وتماسك خطابها وعدم تناقضه. فمن المعروف أنّ الظواهري كانت له ملاحظات جوهرية على الزرقاوي، لكنه اضطر للقبول به، لما كان يمثله الزرقاوي من مصدر قوة وشعبية لدى أنصار التيار الذين اعتبروا أنّ الزرقاوي ردّ الاعتبار للقاعدة، بعد أن تلقت ضربات موجعة في عقر دارها (أفغانستان) وأحد مراكزها في التجنيد والترتيب (أوروبا).

الإعلان عن وفاة بن لادن سيفتح مجالاً واسعاً لتفسخ القاعدة، وتضعضع الروح المعنوية لأنصارها وأتباعها، بخاصة أنّ الفترة ما قبل الأخيرة (التي سبقت مشهد إعدام صدّام) شهدت صعوداً كبيراً لحزب الله وحماس والتيارات الإسلامية المتحالفة مع إيران، التي تختلف مع القاعدة في الأيديولوجيا السياسية والاستراتيجية الرئيسة، وإن كانت تتفق على معاداة الولايات المتحدة والموقف من إسرائيل.

ما هو أكثر خطورة مما سبق أنه على الرغم من المكانة التي يحظى بها الظواهري، لدى بن لادن، فإنّ النخب المقربة في شبكة القاعدة غير مرتاحة للحضور "المصري"، سواء للظواهري أو سيف العدل(المعتقل في إيران) أو "أبو حفص" المصري (الذي قضى في الحرب الأفغانية). وربما ينظر البعض إلى الحضور المصري من خلال اختيار المهاجر، الذي يعتقد أنّه مصري الجنسية، خليفة للزرقاوي.

على الجهة المقابلة لا يتوقع أن يكون هناك قبول من النخب السعودية والخليجية واليمنية والمغربية لخلافة الظواهري، وفي ظل الظروف الأمنية القاهرة التي تضغط على القيادة، يبدو من الصعوبة القيام بعملية جس نبض واستشعار لردة فعل النخب والقيادات المختلفة الموزعة في العالم على سؤال خلافة بن لادن، في حال أعلنت الوفاة.

مسألة الإعلان عن وفاة بن لادن معقّدة ولها تداعيات ودلالات كبيرة، ولا تنطبق عليها قصة الشفافية التي يتمسّك بها الاتجاه الأول، كما أنّ الظواهري معروف بمستوى عالٍ من التفكير البراغماتي- العملي، وربما يؤجل الإعلان عن وفاة بن لادن أو عن حالته الصحية السيئة، إن كان ميئوساً منها إلى حين القيام بترتيبات وخطوات في حيز الأمان أو عملية كبيرة تشكل ظلاً حقيقياً للإعلان عن غياب ورحيل أسامة بن لادن عن المسرح السياسي في موكب إعلامي مهيب مع تسهيل عملية نقل الخلافة إلى الزعيم الجديد الذي يقدّم نفسه من خلال حدث ضخم يقلل من كلفة الخلاف حول الخلافة.

بعيداً عن حقيقة الحالة الصحية للرجل الأول في تنظيم القاعدة والتقارير المرتبطة بها؛ فإنّ الملاحظة الجوهرية أنّ القاعدة وإن نجحت في امتصاص الضربة الأفغانية القاصمة وأعادت التكيف مع المتغيرات الجديدة نحو حالة أكثر من اللامركزية الشديدة إلاّ أنّ غياب بن لادن، الآن أو لاحقاً، يهدد رمزية وحدة القاعدة، وقد يؤدي إلى وجود قواعد متعددة مختلفة في القيادة والرؤية والاستراتيجية!

m.aburumman@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »مقال جميل (Ammar)

    الأربعاء 24 كانون الثاني / يناير 2007.
    مقال جميل ، لكني لا اعتقد ان القاعدة ستتفكك في حال وفاة بن لادن ذلك لأن القاعدة تعتمد على الفكرالمتطرف المتنامي في المنطقة بسبب الديكتاتورية والقمع الذي تطبقه الحكومات.