د.باسم الطويسي

التفسير الشعبي للأزمة الاقتصادية

تم نشره في الخميس 18 كانون الثاني / يناير 2007. 03:00 صباحاً

 يعيش الأردن في هذا الوقت أزمة اقتصادية حقيقية، لا يظهر منها سوى ارتفاع الأسعار وتآكل القدرات الشرائية لمعظم فئات المواطنين، ولا يعترف رسمياً بشيء من هذه الأزمة الاقتصادية المتصاعدة سوى بموجة ارتفاع أسعار الخضار والفواكه التي تصاعدت خلال الشهور القليلة الماضية، وتجد الجهات الرسمية عادة مبررات تسوغ عدم الكشف عن جذور هذه الأزمة وحدودها الموضوعية.

رغم أنّ مؤشرات الاقتصاد الكلي قد تبدو مطمئنة في بعض ملامحها، وبعضها يتحدث عن إنجازات في معدلات النمو والاستثمار والتوسع النقدي وزيادة تدفق المساعدات الدولية، ومع هذا كله ثمة مؤشرات دالة على أزمة اقتصادية يعبر عنها شعبياً، فيما وصلت اليه أحوال المجتمعات المحلية في المحافظات في أنحاء المملكة كافة، وترتكز ملامحها الأساسية في النمو المتزايد للفقر والبطالة بالتزامن مع موجات ارتفاع الأسعار المتتابعة التي أخذت تنتشر كالنار في الهشيم لتشمل أسعار مئات السلع والخدمات، حيث باتت قواعد اجتماعية أسياسية عاجزة وتعاني حالة من الفقر الحقيقي بالقدرات قبل فقر الجيوب.

المسألة لم تعد تنحصر في الصدق المجتمعي للتنمية وفي مدى وصول نتائج إنجازات التنمية الى الناس وانعكاسها على نوعية حياتهم، والمسألة أيضا لا تفسر في توسع القدرات الاستهلاكية لدى فئات المجتمع المتعددة وزيادة معدلات الطلب العام والذي يصوره البعض وكأنه أحد ملامح التغير في نوعية الحياة، أي انه يحسب كإنجاز وليس كأحد مظاهر أزمة باتت تطل برأسها، وليست المسألة محصورة في زيادة أسعار السلع العالمية، وتحديدا مصادر الطاقة، بل ان الوقائع تشير بجدية إلى حصاد سياسات لا تتحمل مسؤوليتها الحكومة الحالية وحدها، فهي حصاد أيديولوجية اقتصادية آن الوقت لمحاسبتها.

بالنظر لملامح الأنشطة الاقتصادية المحلية والظواهر المرتبطة بها فقد تجاوز بعضها ما نقرأه ونعرفه عن "الليبرالية الجديدة" وعن تجاربها في العالم وظلمها أيضاً، وهنا يكمن أحد مكامن الخطر ومصادر التهديد حينما تفتقد الدولة حتى دورها الرقابي والتنظيمي ويتحول اقتصاد السوق عماد الحضارة المعاصرة من قانون سوق الدولة الى قانون دولة السوق بكل قيمها وأعرافها.

الأرقام المتداولة تتحدث عن معدل تضخم في العام الماضي وصل إلى حوالي 6.3%، وبغض النظر عن مدى موضوعية هذا التقدير، فإنّ الشهور الستة الماضية شهدت تآكل في القدرة الشرائية لأكثرية الأردنيين يصل إلى ثلاثة أضعاف هذا الرقم، بينما شملت موجات ارتفاع أسعار السلع والخدمات والحاجات الأساسية والتي لا تتوقف عند العناصر الأساسية للسلة الغذائية.

ويلاحظ حجم الأزمة الاقتصادية، في بعدها الاجتماعي، في مراجعة نسب عمليات كشف الراتب لفئة الموظفين في القطاعين العام والخاص، أي عملية طلب الموظف سلفة على راتب الشهر القادم بعد مرور أسبوع أو أسبوع ونصف من بداية الشهر، وبتقدير حصلت عليه من مديري ثلاثة فروع لبنوك مختلفة تعمل في المحافظات، فإنّ هذه النسب قد ارتفعت خلال الأشهرالستة الماضية إلى حوالي 55-60%، من إجمالي الموظفين المتعاملين مع تلك البنوك، مقارنة مع 5-10% في العام الماضي، الأمر الأدهى من ذلك والذي يرجع بنا إلى قوانين دولة السوق نلمسه حينما نلاحظ كيف عمدت بعض البنوك إلى إلغاء هذه الخدمة البنكية لعملائها من فئة الموظفين أو الحد منها، ووجهتهم مقابل ذلك نحو التعامل ببطاقات الائتمان مقابل عمولة تصل إلى 4%؛ بمعنى الاستثمار في فقر الناس، وهذا سلوك يتماشى ويخدم الفكرة السابقة، حينما تتحول المؤسسات، التي يفترض إنها روافع اقتصادية، إلى أدوات توظف الأزمات لمصالحها.

الناس في بعض المحافظات باتوا يشعرون ببعض ملامح الأزمة، ولكن لم يعيشوا واقعها بشكل حقيقي، ويعود ذلك لوجود سيولة طارئة في أيدي عدد لا بأس به، نتيجة موجة بيع الأراضي الواسعة التي شملت عدداً من محافظات الجنوب والشمال على مدار عام بأكمله، ونتيجة بعض التعويضات التي حصل عليها آخرون من جهات متعددة منها على سبيل المثال تعويضات مد خط الغاز المصري الذي يمر بأراضي ست محافظات من العقبة إلى شمال المفرق. وهذا الريع المفاجئ يبقى طارئاً وسريع النفاد، وعلمتنا التجارب كيف يتم التعامل مع هذا الريع، بينما سيكشف نفاده من بين أيدي هذه القواعد الاجتماعية حجم العمق الاجتماعي للأزمة.

الصدق المجتمعي للتنمية يبدأ بالرؤية التنموية والاقتصادية الخبيرة والواضحة التي تبني عمائر التنمية على أساس حاجات الناس وأولوياتهم الحقيقية وتعظم عناصر قوة الدولة، وتحارب الفقر بالتمكين أولاً، بمكافحة فقر القدرات قبل فقر الجيوب، وبتمكين الدولة ذاتها بأن تكون الرمز الحقيقي للعدالة وإثبات حضورها في السوق قبل غيره، وليس بالانسحاب والتخلي عن مواطنيها ومطالبتهم بالمزيد من الولاء والانتماء.

التفسير الشعبي للأزمة الاقتصادية الراهنة يضرب بالعمق الاجتماعي للدولة ويتجاوز الكلام التقليدي الذي يتحدث عن الدور الرعوي والمسؤولية الاجتماعية للدولة مقابل الحديث عن ضرورات الإصلاح وانشغالات العصر. التفسير الشعبي للأزمة الاقتصادية الراهنة يبدو في أن الناس في القويرة والشوبك وكفرسوم وعين جنة والروشيد والشجرة وغيرها من بلدات وقرى وأحياء شعبية في المدن تطبخ فيها الحياة قد افتقدوا وجود الدولة وباتوا يستشعرون غيابها ويلمسون جدياً تواضع قدراتها في حمايتهم اقتصادياً.

basimtwissi@hotmail.com

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »ارتفاع الاسعار (محمود البواب)

    السبت 20 كانون الثاني / يناير 2007.
    اوافق الكاتب على كل ما كتب
    واقول ان الحاجة باتت ماسة لوضع استراتيجية تحافظ على استقرار الاسعار وتراقب تغيراتها من خلال إنشاء مجلس اعلى للاسعار يشترك فيه القطاعان العام والخاص، دون ان يترك آثارا سلبية على حرية حركة السوق واعتمادها على سياسات العرض والطلب.
    حيث ان ارتفاع اسعار السلع يؤثر بشكل سلبي على حجم المبيعات، وبالتالي فهو لا يخدم مصلحة التجار، بل على العكس من ذلك فإن ارتفاع الاسعار يعمق من حالة الركود ويزيد من أعباء القطاع التجاري
  • »دور " الشعبي" في حل الأزمة الاقتصادية؟ (نورس)

    الجمعة 19 كانون الثاني / يناير 2007.
    كل الشكر لكاتب مقال" التفسير الشعبي للأزمة الاقتصادية" حيث أن واقع الحال الملموس على الصعيد الرسمي والشعبي ملم بأطراف ونتاج الأزمة الاقتصادية التي يمر بها بلدنا الحبيب، لكن ألا يحق لنا أن نسأل" الشعبي" ما هو درك في التخفيف من أثار الازمه الاقتصادية؟ هل قام " الشعبي" بتغيير نمط معيشتة بحيث تتلائم مع متطلبات المرحله الاقتصاديةالحاليه من تدنى الدخل وارتفاع الأسعار؟ لا بد من وجود دور كبير يقع على عاتق كل منا للتخفيف من وطأه الشدة( الازمة) الاقتصادية!!
    أما فيما يتعلق بأسعار بيع الاراضي فقديسأل " الشعبي": أيهماأفضل- لمستقبل أبنائنا- أن ترتفع أسعار الاراضي والعقارات بحيث يتمكن الشباب المقبلون على الزواج من شراء أواستئجار بيت بأسعار مناسبة لدخولهم حديثة العهد - بعد الانتظار طويلا للحصول على الوظيفة- أم يبقى سهم العقار المجنون بالا رتفاع المضطرد؟؟ على فكرة ما زال في الاسواق بيوت شعر وخيم للمقبلين على الزواج!!!
  • »شكرللدكتور باسم الطويسي (عبدالله الدراوشه)

    الخميس 18 كانون الثاني / يناير 2007.
    ان هذا المقال يلتمس اهم المشاكل التي تواجه الناس في حياتهم اليوميه في المجتمع الاردني من ارتفاع الاسعار للسلع والخضروات والمشتقات النفطيه وارتفاع نسبة الفقر والبطاله والبنوك التي اصبحت تجني المرابح من وراء فئة المتقاعدين والموظفين الذين يقومون بكشف رواتبهم قبل نهاية كل شهر بسبب سوء اوضاعهم المادية ورواتبهم الشهريه لاتسد احتياجاتهم فهم بحاجة الى زيادة رواتبهم الاجمالية بنسبة 50% على الاقل حتى يتمكن من العيش الكريم واذا بقي الحال على ما هو عليه سوف يؤدي ذلك في المستقبل الى ظهور كثير من المشاكل والظواهر التي لاتحمد عقباها.