تباين التقارير العسكرية الإسرائيلية

تم نشره في الأربعاء 17 كانون الثاني / يناير 2007. 03:00 صباحاً

لم تشهد إسرائيل هذا الكم من تباين وتناقض التقارير العسكرية حول الظروف السياسية الإقليمية، كما هو الحال في الأسابيع الأخيرة، ووصلت إلى ذروة جديدة، بأن التقرير الذي يظهر اليوم، نسمع نفيا له بعد ساعات، أو في اليوم التالي على الأغلب.

وتتركز هذه التناقضات، بالأساس حين يجري الحديث عن "جدية" سورية في توجهها لاستئناف المفاوضات مع إسرائيل، وحول احتمال نشوب حرب جديدة أمام حزب الله على الجبهة مع لبنان، وحتى مع سورية.

وفي هذه المرحلة هناك توجهان في المؤسسة العسكرية الأمنية الإسرائيلية، ففي حين يدعي رئيس جهاز المخابرات الخارجية، الموساد، مئير دغان، أن سورية "ليست جدية" في توجهها لاستئناف العملية السياسية، يصر جهاز الاستخبارات العسكرية على تقدير معكوس كليا، ويقول ان سورية "جادة" في توجهها لاستئناف المفاوضات، من منطلقات المصلحة السورية في هذه المرحلة.

كذلك الأمر في ما يتعلق بحالة الاستنفار السوري على الحدود، فمثلا، في الأسبوع الماضي ظهر ما يسمى بـ "التقرير الاستراتيجي السنوي" للجيش الإسرائيلي، الذي توقع نشوب حرب مع لبنان وحتى مع سورية في الصيف القادم، وهو ما يناقض تقرير جهاز الاستخبارات العسكرية، المكلف الأساسي بمثل هذه التقديرات، وفي اليوم التالي لظهور "التقرير الاستراتيجي"، نفى وزير الحرب عمير بيرتس ان تكون أية استعدادات لدى الجيش الإسرائيلي لحرب محتملة في الصيف القادم، وهو الأمر ذاته الذي قاله رئيس أركان الحرب دان حلوتس، في جلسة الحكومة في مطلع الأسبوع الجاري.

وقد شهدنا في الماضي نوعا من التباينات في مثل هذه التقارير، ولكنها كانت تختلف وتظهر تناقضاتها من مرحلة إلى أخرى وليس بهذه الوتيرة المتسارعة، فعلى سبيل المثال، كنا نرى كيف تتغير وتتبدل وجهة التقارير العسكرية الإسرائيلية مع تبدل الحكومات في إسرائيل وأجندتها السياسية، ولعّل واحدا من ابرز هذه التقلبات، يعود أيضا للموقف من سورية.

وقد غيّر رئيس جهاز الاستخبارات العسكرية، في النصف الثاني من سنوات التسعين الماضية موقفه من سورية، خلال اشهر قليلة، فحين كانت حكومة الليكود، ادعى ان سورية ليست معنية بمفاوضات، وبعد اشهر قليلة مع عودة حزب "العمل" إلى الحكم تغيّر التقرير رأسا على عقب.

وقبل سنوات قليلة، كادت تنشب حرب بين إسرائيل وسورية، حين قدم أحد كبار ضباط جهاز الموساد تقريرا كاذبا مفاده ان سورية بدأت تحرك جيوشها نحو الجبهة استعدادا للحرب، وقد ارتفعت حدة التوتر بين البلدين، إلى أن كشفت الأجهزة الإسرائيلية ان الضابط فبرك تقاريره، وتم اعتقاله وحكم عليه بالسجن لعدة سنوات، وقد ساعد في ذلك نفي سوري قاطع لمزاعم ذلك التقرير.

ما من شك أنّ هذا الاضطراب يزيد من حالة البلبلة وعدم الاستقرار في الشارع الإسرائيلي، الذي يتخبط منذ سنوات طوال في بحثه عن مخرج لأزمته، وهذا الأمر ينعكس في وضعية الخارطة السياسية، والتقلبات الحزبية، وظهور وزوال أحزاب كبيرة ومتوسطة، وتقلبات في الحكومات بشكل متسارع.

ولكن بقدر أكبر فإن الاضطراب في التقارير يعكس حالة الصراع بين مختلف التوجهات في المؤسستين العسكرية والسياسية، وما من شك ان المؤسسة العسكرية هي الجانب الأقوى نظرا لأنه أجواء العسكرة في المجتمع بشكل عام، واعتماد إسرائيل على العسكرة والحرب والاحتلال، أعطت الأجهزة الأمنية والعسكرية وزنا أكبر في اتخاذ القرار.

وهذا ما دفع السياسيين في إسرائيل الى التدخل أكثر في تعيين قادة الهيئات العسكرية والأمنية. ففي الماضي كان "مقدار الكفاءات"، حسب المقاسات الاسرائيلية، هو المقرر، أما اليوم فإن للتوجهات السياسية لذلك القائد العسكري والأمني دورا في تعيينه، ومثال حي على هذا الأمر، هو رئيس جهاز الموساد الحالي، مئير دغان، الذي حين قرر رئيس الحكومة السابق أريئيل شارون تعيينه في هذا المنصب كان عضوا في حزب الليكود.

ولم يقتصر هذا الأمر على الجانب العسكري الأمني، بل امتد أيضا مختلف أجهزة فرض القانون مثل الشرطة والقضاء وغيرهما.

فإسرائيل التي حاولت طوال الوقت الظهور بمظهر "دولة مؤسسات"، فإن هذا بدأ ينهار شيئا فشيئا من حيث الجوهر، في السنوات الأخيرة، ليس فقط على ضوء تكاثر ملفات الفساد، وإنما لأن حتى المؤسسة العسكرية الأمنية، التي تعتبر أهم "بقرة مقدسة" في إسرائيل، أصبحت تتساقط من حولها الهالة، وهذا الأمر أصبح ملموسا في استطلاعات الرأي حول ثقة الجمهور الإسرائيلي بالجيش وقيادته.

وأيا تكن الخلافات الداخلية الإسرائيلية من حيث التوجهات، فإن تباين التقارير يعكس أمرا واحدا من ناحيتنا، وهو زيف كافة الذرائع الإسرائيلية لتبعد نفسها عن المسار السياسي، فحكومة إسرائيل اليوم تستغل موازين القوى الدولية المختلة، التي تميل لصالحها، لتغلف رفضها للجلوس إلى طاولة المفاوضات، بصياغات تتلاءم مع الأجواء السياسية المنحازة في العالم.

بمعنى آخر إن إسرائيل بإمكانها اليوم ان تقرر استئناف العملية السياسية، والتقارير العسكرية الداعمة لهذا التوجه جاهزة، كما أن بإمكانها أن تقرر أن المزيد من التصعيد العسكري، وأيضا لهذا التوجه يوجد تقارير عسكرية جاهزة.

السؤال المركزي الذي يجب أن يوجه هو للمؤسسة السياسية، ما إذا كانت معنية بالعملية السياسية على كافة المسارات، عملية جدية، تقود إلى حل ينهي صراعات المنطقة.

إن إسرائيل على يقين أنها ستكون في مرحلة ما في وضعية تلزمها بالجلوس إلى طاولة المفاوضات، ولهذا فهي تسعى كل الوقت من أجل إبعاد هذه المرحلة بأكبر قدر، إلى حين تفرض أكثر ما يمكن من وقائع على الأرض، تجعل الحل الدائم اقرب ما يكون إلى مطامعها بالأرض، ولكن التجربة علّمت، كما علّمت إسرائيل نفسها، أنها ليست اللاعب الوحيد في المنطقة والقرار ليس بيدها وحدها، حتى وإن كان المشهد العام الحالي مختلفا عن هذه الحقيقة.

صحافي وكاتب سياسي- الناصرة

bjaraisi@yahoo.com

التعليق