محمد أبو رمان

بل وصفة للفشل!

تم نشره في السبت 13 كانون الثاني / يناير 2007. 02:00 صباحاً

 

على النقيض من تعريف بوش لاستراتيجيته الجديدة في العراق بأنها "وصفة للنجاح" يبدو أنها وصفة للفشل وانسداد للآفاق السياسية الكبرى. مع مرور الوقت سيتجذّر المأزق العراقي وسيتدهور الوضع الأمني والسياسي أكثر، إلى أن تصل التطورات إلى ما بعد اللحظة الحرجة بكثير، وهي مرحلة لن تتأخر كثيراً مع التخبط الأميركي الراهن، فنحن أمام شهور قليلة فقط!

تقوم الاستراتيجية الجديدة على محاور رئيسة أبرزها زيادة القوات الأميركية في العراق (بإرسال قرابة واحد وعشرين الف جندي) لتأمين بغداد وحمايتها، من ثم الانتقال إلى المحافظات الأخرى، توفير دعم مالي لإعادة بناء العراق وتأمين الخدمات التي تشعر الناس بتحسين شروط حياتهم اليومية، والحد من النفوذ الإيراني- السوري، وتحريك العملية السلمية في المسار الفلسطيني لدعم النظم العربية في مواجهة إيران، وأخيراً العمل على إدماج السنة في العملية السياسية من خلال إعادة النظر في قوانين اجتثاث حزب البعث.

يشير بوش، في خطاب الاستراتيجية، إلى أنّ الذين يدعون إلى انسحاب القوات الأميركية من العراق لا يقدمون حلولاً إيجابية، فهذا الانسحاب سيؤدي إلى حرب أهلية بين العراقيين وسيتحول العراق إلى ملاذ آمنٍ للإرهاب والإرهابيين. ومن الواضح أنّ بوش حسم خياره بعدم القبول بتوصيات لجنة بيكر- هاملتون، بعد تقارير إعلامية عن تردده بين استشارات وآراء متضاربة من النخبة المحيطة به، حتى تحريك العملية السلمية وعرض الدولة المؤقتة، فلا يبدو أنه استجابة لتقرير هاملتون بقدر ما أنه انعكاس لمطالبات الدول العربية الصديقة للولايات المتحدة.

ثمة ملحوظات رئيسة تؤكد أنّ بوش لم يتجاوز الأخطاء السابقة في العراق وأنّه ما يزال يسير في الطريق المعاكس للخروج من النفق الحالي، إن بقيت هناك فرصة للخروج!

أولى هذه الملحوظات أنّ الجانب الأمني والعسكري يطغى على الاستراتيجية على حساب السياسي. فالتركيز على إرسال قوات إضافية لتأمين بغداد أولاً ولمواجهة المسلحين ثانياً يتجاوز أنّ أصل المشكلة الأمنية سياسي يقوم على شعور الطائفة السنية أنّها المتضرر الرئيس من التطورات الجارية وأنّ العملية السياسية الحالية يسيطر عليها الشيعة والأكراد، ولن يؤدي المضي فيها إلاّ إلى تحول السنة إلى طائفة مهمّشة، وشعور لدى الشيعة أنّ الوضع الحالي يمثل فرصة تاريخية لهم لاستعادة الحكم من السنة، على اعتبار أنّهم يمثلون الأكثرية، وأنّ الحديث عن إدماج السنة بالكلية في العملية السياسية والتراجع عن قانون اجتثاث البعث يعني عودة السنة إلى التحكم في مفاصل الدولة ومراكزها الحيوية، وهو ما لن تسمح به القوى السياسية الشيعية.

تجاوز المشكلة السياسية والقفز إلى القراءة الأمنية بمثابة المؤشر على عدم إدراك مفتاح الواقع المتفجر. ولن يحل إرسال مزيد من القوات المشكلة جذرياً لا في بغداد ولا غيرها؛ فهنالك في الأصل أضعاف هذه القوات موجودة (مائة وثلاثون ألف جندي)، لكنهم فقدوا الأمل في استعادة الأمن، بل ويعانون من انهيار شديد في الروح المعنوية القتالية. فضلاً من أنّ ممارسات جيش الاحتلال كانت سبباً في تأجيج المقاومة والأعمال المسلّحة، ودفعت تلك الممارسات كثيرا من العراقيين غير المنخرطين في العمل المسلّح إليه لشعورهم بجرح في كرامتهم، جراء الأخطاء المقصودة وغير المقصودة للجنود الأميركيين باعتدائهم على كرامة الناس وشرفهم، ولا نبالغ إن قلنا إنّ إرسال جنود إضافيين، قياساً على التجربة السابقة، سيجذّر الأزمة ولن يحلها.

الملحوظة الثانية أنّ اعتماد الاستراتيجية الجديدة على القوات العراقية، سواء في الشرطة أو الجيش، يمثل جوهر المشكلة السياسية والأمنية. فلم يعد من يشكك لا في الحكومة العراقية أو الأميركية ولا خارجهما أنّ القوات العراقية مخترقة من الميليشيات والعصابات المسلّحة، وأنّها ليست محايدة في عقيدتها ولا في عملياتها، ولن يسمح من يمسكون بها اليوم أن يستعيد السُنّة حضورهم فيها، ولن ينظر إلى عملياتها إلا من زاوية الحرب الطائفية، بما يعزز ابتعاد السنة عن العملية السياسية والتحامهم مع المقاومة من جهة والجماعات الراديكالية المتطرفة، كالقاعدة، من جهة أخرى.

الملحوظة الثالثة أنّ الرئيس بوش يتحدث عن الحد من دور إيران وسورية في العراق، من دون أن يوضح استراتيجيته لتحقيق هذا الهدف الصعب للغاية، بخاصة فيما يتعلّق بإيران التي تملك نفوذا كبيراً وتحقق اختراقاً هائلاً، يصعب إضعافه، ولو كانت الإدارة الأميركية قادرة على ذلك سابقاً لفعلت، لكنّه هدف غير قابل للتحقق في ظل الشروط الحالية.

في المحصلة؛ فإنّ تحقيق أهداف الاستراتيجية الجديدة يمر عبر طريق وحيدة هي أن ينقلب المالكي على إيران وعلى التيار الصدري وعلى قوى سياسية شيعية أخرى، وهو ما لا يمكن تصور وقوعه في مثل هذه الأحوال، فالرجل لن يضع مستقبله السياسي بأسره في المجهول! كما أن حزب الدعوة الذي ينتمي إليه المالكي فيه أكثر من اتجاه وله حساباته الخاصّة.

m.aburumman@alghad.jo

التعليق