اللوبي الإسرائيلي مرة أخرى!

تم نشره في الخميس 28 كانون الأول / ديسمبر 2006. 03:00 صباحاً

عذرا للقارئ، فقد سبق وكتبت مقالتين عن الموضوع نفسه منذ صدور دراسة جون ميرشايمر وستيفن والت حول أثر اللوبي في توجيه السياسة الشرق أوسطية للولايات المتحدة. ولكنني، كغيري من المختصين، تابعت باهتمام بالغ ردود الفعل التي صدرت وأعجبت أيما اعجاب بصمود العمل الأكاديمي لكل من جون ميرشايمر وستيفن والت في وجه الانتقادات التي تنطلق من منطلقات سياسية بحتة. والذي حفزني على الكتابة عن الموضوع هو رغبة الرئيس الاميركي السابق جيمي كارتر في فتح نقاش عام في الولايات المتحدة حول اسرائيل. ويعتقد المتنورون النقديون في الولايات المتحدة انه بالامكان انتقاد اسرائيل دون أن تلتصق بهم تهمة معاداة اسرائيل او معاداة السامية التي تحولت في بعض الاحيان كسلاح لاسكات الآخرين ولمنع نقاش عام يعطي الجمهور الاميركي وجهة نظر أخرى للصراع في الاقليم.

للتذكير فقط، فالنقطة الرئيسية في دراسة ميرشايمر ووالت هي انه لا يمكن تبرير دعم الولايات المتحدة غير المشروط لإسرائيل على أسس أخلاقية أو استراتيجية، وإنما بسبب قوة تأثير اللوبي الذي شجع سياسات ليست في مصلحة الولايات المتحدة ولا في مصلحة إسرائيل على المدى البعيد. وقد سببت هذه الورقة هجوما معاكسا شنه بعض الاكاديميين وبخاصة المعروفين بولائهم وتأييدهم لإسرائيل اليمينية. وفي ردهما على هذا السيل الجارف من الانتقادات فقد قسما هذه الردود الى ثلاث فئات رئيسية.

الفئة الأولى تنتقد الدراسة وتعتبرها نسخة معدلة من برتوكولات حكماء صهيون وتتهم المؤلفين بأنهما أخذا الكثير من المواقع الالكترونية للنازيين. وبالتالي فالمؤلفان هما معاديان للسامية وكذابان. وجاء بمثل هذا الاتهام ديفيد ديوك. ولا يمكن أن يكون هذا الاتهام صحيحا لأن توثيق الورقة كان واضحا، وتم اقتباس للكثير من الكتّاب والسياسة الإسرائيليين أو المؤيدين لاسرائيل في العالم. وطبعا هنا تهمة معاداة السامية جاهزة من أجل منع تبلور نقاش عام يسعى له المؤلفان مما يضع بين أيدي الجمهور الاميركي وجهة نظر أخرى. وتظهر الدراسات المسحية أن الرأي العام الاميركي هو أقل تعاطفا مع اسرائيل من طبقة السياسيين. والحقيقة أن ميرشامير ووالت أكدا على دعمهما حق اسرائيل في الوجود.

الفئة الثانية هي انتقادات الذين لم يعالجوا النقطة الرئيسية في الدراسة ووضعوا على لسان المؤلفين، ما لم يقولا او تجاهلوا عن قصد النقاط الأساسية في الدراسة. وقام هؤلاء بالادعاء بان الدراسة ما هي الا صيغة تتهم اليهود بالتآمر. وبطبيعة الحال فإن هدفهم هو تسفيه العمل الاكاديمي حتى لا يقرأه الناس ويتعرفوا على وجهة نظر جديدة.

الفئة الثالثة ركزت على قضايا جانبية في الدراسة لكونها مليئة بالاخطاء والمغالطات التاريخية. طبعا قراءة متأنية للورقة تبين ان هناك مجموعة من الاخطاء البسيطة، لكنها لا تمس بتاتا النقطة الرئيسية في الدراسة, تقدم هذه الفئة بني موريس وقام هجوم مضاد على تاريخ الصراع. لكن ردود ميرشايمر هي أكثر إقناعا وبخاصة عندما بين انه اقتبس الكثير من بني موريس وأشار الى تناقض بني موريس مع نفسه. وفي هذا السياق تجدر الاشارة الى التغير الذي حصل للمؤرخ الجديد بني موريس وانتقاله الى صفوف اليمين الاسرائيلي الذي اخذ يبرر سياسات اسرائيل التوسعية في المناطق المحتلة.

وقد افرد الباحثان جزءاً من ردهما الى مارتن كريمر الذي اتهم المؤلفين بالعمل السيئ، ورأى ان العلاقة بين اسرائيل واميركا هي استراتيجية ولخدمة المصالح الاميركية. وهذه المقولة هي الاكثر قوة نظرا لانها تعكس مدرسة فكرية في اميركا لفترة طويلة برزت بوضوح ابان حكم رونالد ريغان. والحقيقة أن القول بأن اسرائيل ذخر استراتيجي للولايات المتحدة بحاجة الى اعادة نظر بعد انتهاء الحرب الباردة. فهذه المقولة مبالغ فيها من ناحية الفائدة التي تعود للولايات المتحدة وتقلل من حجم التكلفة على الولايات المتحدة.

من المهم ان نتابع كيف سيتجلى النقاش وبخاصة مع كتاب جيمي كارتر الجديد وفي ظل هزيمة الاستراتيجية الاميركية في العراق حيث عمل اللوبي الصهيوني كثيراً من اجل اقناع ادارة بوش بشن الحرب على العراق.

التعليق