حماية الحيوان والديمقراطية الأميركية

تم نشره في السبت 23 كانون الأول / ديسمبر 2006. 02:00 صباحاً

وسط كل العناوين الرئيسة التي تتحدث عن تمكن الديمقراطيين من فرض سيطرتهم على الكونغرس الأميركي في انتخابات تشرين الثاني الماضي، تجاهلت وسائل الإعلان، إلى حد كبير، إحدى النتائج الضخمة لهذه الانتخابات. فعلى الرغم من أن هذه الانتخابات سلطت الضوء على العيوب التي تشوب النظام السياسي في أميركا، إلا أنها أدت أيضاً إلى استعادتي لثقتي وإيماني في عواطف المواطن الأميركي العادي.

في ولاية أريزونا يستطيع المواطنون، عن طريق جمع العدد الكافي من التوقيعات، أن يقدموا مشروع قانون لتوجيه الاقتراع الشعبي. وهذا العام، كانت إحدى القضايا المطروحة للتصويت تدور حول قانون يحظر حبس أو ربط إناث الخنازير الحبلى أو عجول التسمين بحبل على نحو يمنع الحيوان من الدوران في المكان بحرية، أو الرقود، أو بسط قوائمه إلى أقصى حد.

وقد يتساءل أولئك الذين يعرفون القليل عن "المزارع الصناعية" الحديثة عن السبب الذي قد يجعل من هذا التشريع أمراً ضرورياً.

في ظل أساليب إدارة المزارع التي كانت سائدة منذ خمسين عاماً، والتي ما زالت شائعة في بعض البلدان حتى اليوم، يتمتع كل حيوان في المزرعة بالحيز الكافي للدوران في المكان وبسط قوائمه. إلا أن 90% من إناث خنازير الاستيلاد -أمهات الخنازير التي تربى ثم تقتل من أجل اللحم- في مزارع الولايات المتحدة اليوم، تمضي أغلب حياتها محتجزة في أقفاص لا تتجاوز ستين سنتيمتراً في مائتين وعشرين سنتيمتراً. وهي بهذا تعجز عن الدوران في المكان، أو حتى الرقود مع بسط قوائمها بالكامل، أو التحرك لمسافة تزيد عن خطوة إلى الأمام أو خطوة إلى الخلف. وثمة إناث خنازير أخرى تربط إلى حبل يمنعها أيضاً من الدوران في المكان.

كما يتم تقييد حركة عجول التسمين على نحو مماثل طيلة حياتها في مرابط فردية لا تسمح لها بالدوران في المكان، أو الرقود، أو بسط قوائمها. وهذه الأساليب تشكل في الأساس ابتكارات لتوفير العمالة؛ إذ إنها تجعل التحكم في الحيوانات أكثر سهولة، وتسمح لوحدات تربية تحتوي على الآلاف، بل وعشرات الآلاف من الحيوانات، بتوظيف عدد أقل من العمال المهرة. كما أنها تمنع الحيوانات من إهدار الطاقة بالحركة حول المكان، أو التقاتل والتناطح فيما بينها.

منذ عدة أعوام، وفي أعقاب احتجاجات من قِـبَل منظمات رعاية الحيوان، أصدر الاتحاد الأوروبي تقريراً أعدته اللجنة البيطرية العلمية حول هذه الأساليب. وقد وجدت اللجنة أن الحيوانات تعاني من عدم القدرة على التحرك بحرية، وعجزها التام عن القيام بأي مجهود عضلي طيلة اليوم. والحقيقة أن الشخص العادي كان قد يتوصل إلى نفس النتيجة من دون الحاجة إلى لجنة خاصة.

بعد صدور التقرير، بادر الاتحاد الأوروبي إلى تحديد تواريخ يتم بعدها حظر تقييد حركة الحيوانات على هذا النحو. وبالنسبة إلى عجول التسمين، فقد أوشك تاريخ الحظر على الحلول(الأول من كانون الثاني 2007). وفي المملكة المتحدة والسويد أصبح حبس إناث الخنازير في مرابط فردية محظوراً بموجب القانون بالفعل، ومن المقرر أن يسري نفس الحظر في بقية بلدان الاتحاد الأوروبي اعتباراً من العام 2013. وفي نفس الوقت، يتم على مراحل اتخاذ الإجراءات اللازمة لتحسين الظروف التي تعيش فيها الدجاج البيّاض التي تحشر في أقفاص من السلك بلا أي حيز يمكنها حتى من فرد أجنحتها.

أما في الولايات المتحدة، فليس من المتوقع أن نرى أياً من هذه التدابير الوطنية في المستقبل المنظور. وفي الماضي، حين سألني أصدقائي الأوروبيون عن السبب وراء تخلف الولايات المتحدة عن أوروبا إلى هذا الحد فيما يتصل برعاية الحيوان. لم أجد أي إجابة أرد بها عليهم. وحين ألحوا عليّ بالسؤال، كان عليّ أن أعترف بأن التفسير قد يكون في أن اهتمام الأميركيين بالحيوانات أقل من اهتمام الأوروبيين.

ثم في العام 2002 نادت جماعات رعاية الحيوان في ولاية فلوريدا بطرح مشروع قانون حظر تقييد إناث الخنازير في المرابط للتصويت. وما أثار دهشة العديد من الناس أن هذا الاقتراح نال الموافقة من قِـبَل 55% من أصحاب الأصوات الانتخابية. وفي الشهر الماضي في ولاية أريزونا، وعلى الرغم من المعارضة التي تمول جيداً من قِـبَل كبار أصحاب المزارع، حصل أيضاً مشروع قانون حظر وضع إناث الخنازير وعجول التسمين في أقفاص صغيرة على تأييد بلغت نسبته 62%.

لا نستطيع أن نقول إن ولاية فلوريدا أو ولاية أريزونا من الولايات التقدمية بصورة خاصة؛ فقد صوت الناخبون في الولايتين لصالح جورج دبليو بوش ضد جون كيري في انتخابات 2004 الرئاسية. وعلى هذا، فإن النتائج تشير بقوة إلى أن أغلب الأميركيين، إذا ما حصلوا على الفرصة للتصويت، فسوف يصوتون ضد احتجاز إناث الخنازير الحبلى وعجول التسمين في مثل هذه المرابط الضيقة المحكمة، ليبدو أن اهتمام الأميركيين برفاهية الحيوان لا يقل عن اهتمام الأوروبيين بنفس الأمر.

إذن، فلكي نفسر هذه الفجوة بين أوروبا والولايات المتحدة فيما يتصل برفاهة حيوانات المزارع، يتعين علينا أن ننظر إلى النظام السياسي. في أوروبا كانت مخاوف الناخبين بشأن رفاهية الحيوان على قدر كبير من الفعالية في التأثير على أعضاء البرلمانات الوطنية، وأيضاً أعضاء البرلمان الأوروبي، الأمر الذي أدى إلى وضع تشريعات وطنية، وإلى استجابة الاتحاد الأوروبي لتلك المخاوف.

أما في الولايات المتحدة، وعلى النقيض من ذلك، فإن المخاوف المماثلة لم تخلف أثراً يذكر على أعضاء الكونغرس، ولا يوجد أي تشريع فيدرالي خاص برعاية حيوانات المزارع على الإطلاق، وعدد ضئيل للغاية من التشريعات على مستوى الولايات. وهذا يرجع في اعتقادي إلى قدرة كبار أصحاب المزارع على تخصيص العشرات من الملايين من الدولارات التي توضع في جيوب ممثلي الكونغرس الساعين إلى الفوز بالانتخابات التالية. والحقيقة أن حركة رفاهية الحيوان، على الرغم من الدعم الشعبي العريض، كانت عاجزة عن التنافس في ساحة جماعات الضغط السياسي والتبرعات الخاصة بالحملات الانتخابية.

في النظام الانتخابي للولايات المتحدة يشكل المال قدراً من الأهمية أعظم من تلك التي تشكلها آراء الناخبين. ذلك أن الانضباط الحزبي هناك يتسم بالضعف، ويتعين على أعضاء الكونغرس أن يجمعوا بأنفسهم أغلب الأموال التي يحتاجون إليها لإعادة انتخابهم، وهذا يحدث كل عامين بالنسبة لأعضاء مجلس النواب. أما في أوروبا، حيث الانضباط الحزبي أكثر قوة، وحيث تتولى الأحزاب وليس المرشحين الأفراد تمويل الحملات الانتخابية، تلعب الأموال دوراً أصغر. والحقيقة أن الخنازير وعجول التسمين، في الولايات المتحدة التي تتفاخر وتتباهي بتقاليدها الديمقراطية، لا تمثل الطرف الوحيد الخاسر في هذه القضية.

بيتر سِـنجر أستاذ الأخلاق الحيوية بجامعة برينستون، ومؤلف الكتاب الذي صدر حديثاً بعنوان "الطريقة التي نتناول بها طعامنا: ما السبب الذي يجعل اختيارنا لأطعمتنا أمراً مهماً"، والذي اشترك جيم ماسون في تأليفه

خاص بـ "الغد"، بالتنسيق مع بروجيكت سنديكيت

التعليق