ياسر أبو هلالة

حبيبتي عمَّان

تم نشره في السبت 23 كانون الأول / ديسمبر 2006. 03:00 صباحاً

حتى من ولد أجداده في عمان لا يقول أنه منها، يقدم انتماءه العشائري أو الأقوامي (الإثني) عليها. فالعدوان وفروعهم أو الدعجة أو بني صخر أو الشراكسة أو الشيشان وغيرهم لا يقرون بواقع الجغرافيا التي ضمتهم. فالعدواني عدواني بمعزل عن مكان تنقله وترحاله والشركسي كذلك. أما من انتسب لجغرافيا غيرها فيقدمها على عمان، فالسلطي الذي ورث أرض عمان عن أجداده يقول لك أنه سلطي والطفيلي الذي أفردت له عمان حي الطفايلة يظل طفيليا. والخلايلة والنوابلسة والشوام وغيرهم من تجار عمان لا يستبدلون مدنهم العريقة بالمدينة "الطارئة".

العلاقة مع عمان، وكأنها زواج سري ينكر بالعلن خوفا من الزوجة الأولى، وفي الواقع تظل الزوجة السرية هي الأصل لا الأولى المهجورة. المدن المهجورة خصصت للمقابر، تقام فيها مراسم الدفن والعزاء. يعيشون في عمان ويدفنون في مدنهم الأصلية. مع أن في مقبرة سحاب متسعا للجميع. أما الأعراس فتخصصت بها قاعات عمان من فنادق النجوم الخمس إلى القاعات الشعبية.

ميزة عمان أنها مثل أميركا مدينة مهاجرين، أول أحيائها "المهاجرين"، وتمددها وتوسعها ارتبط بالهجرة بسبب الخضات السياسية العنيفة التي قذفت عليها ملايين البشر. فأطعمتهم من جوع وآمنتهم من خوف. فكم من طريد غدا وزيرا أو تاجرا مرموقا، أكثر من أتوها كانوا فقراء مسحوقين وقلة أتوا بمال وفير. وخلال أيام يغدو المهاجر عمانيا مستأجرا في حي شعبي أم ملاكا في أرقى أحيائها.

هذه قوة عمان، ليس فيها عصبية المدن. فالفلاح في قرى فلسطين أو سورية يظل فلاحا ولو سكن المدن من العصر الجليدي الأول، طرفة تستحق الإعجاب العراقيون يطلقون على الرابية "الجادرية"، أحد أحياء بغداد الراقية، هؤلاء العراقيون عمانيون مثل الطفايلة والنوابلسة، ربما ينظر للهجرة العراقية (كما في تقرير الهيومان رايس ووتش) على أنها كارثة إنسانية، وجزء منها كارثة، لكنها في المجمل فيها فوائد الهجرات.

فالعراقيوان ليسوا عمالة "رخيصة"، فيهم المهندس والطبيب وأستاذ الجامعة ورجل الأعمال النظيف ورجل الأعمال المحتال، ذلك كله يسهم في حراك اجتماعي واقتصادي له مردود إيجابي. تماما كما له أعراض سلبية. المدن الحية هي المدن المفتوحة، بيروت سلمت نفسها للحريري وهو ابن صيدا، ولم يأت لها غازيا بل هو من أحيا قلبها الذي دمرته الحرب.

عمان مدينة حية وأكثر من ينكرونها لا يرضون لها بديلا. أعرف كثيرين رفضوا عروضا مغرية في أميركا وأوروبا والخليج لأنهم يحبونها، ليس في عمان صخب القاهرة وعراقتها ولا إبهار دبي وحداثتها، لكن فيها ما لا تراه في أيهما، هي في النصف بين القاهرة ودبي. فيها الجامع الحسيني وكنافة حبيبة وفول هاشم ومقهى الجامعة العربية (قبل التجديد) والمدرج الروماني، فيها جبل اللويبدة بجامع الشريعة وكنيسة البشارات ودارة الفنون (أول استيطان سلطي في عمان؟) وسي تاون ومكة مول وبلوفيج وجسر عبدون!

التحدي أن نحافظ على روح عمان وهوية عمان، فمدينة المهاجرين لا تعني تدمير الأطراف في الجنوب والشمال، ولا تضييع فلسطين في الغرب، ولا تقسيم العراق في الشرق. عمان هي الواحة الآمنة في صحراء يكثر فيها الغزاة وقطاع الطرق. عمان ليست مدينة مستلبة بلا لون ولا رائحة. عمان عربية الوجه واليد واللسان، إن قالوا يوما "حبيبتي روما" نقول: "حبيبتي عمان".

yaser.hilala@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »سلم لسانك يا ياسر.. عمان يا حبيبتي! (أشرف)

    السبت 23 كانون الأول / ديسمبر 2006.
    عمان يا دار المعزة والفخر...
    ياحرة ما دنست اثوابها ..
    دار الكرامة والكرم وأهل الكرم...
  • »ابدعت (اردني مغترب)

    السبت 23 كانون الأول / ديسمبر 2006.
    والله يا ابو هلاله أبدعت وكتاباتك اخر فترة اكثر انتماء وموضوعية مع احترامي لكتاباتك كلها تمنى لك الاستمرار والتقدم الدائم
  • »عمان (مخلد الدعجه)

    السبت 23 كانون الأول / ديسمبر 2006.
    السيد ابو هلاله المحترم
    كل الاحترام لكم على هذه الكلمات الدافئة واصدقكم القول ان الكثير مما ورد في مقالكم يلامس الحقيقة . الا انه وان كان الانتماء في بعضه عشائريا قبليا الا انه في حقيقة الامر جغرافيا كذلك لان العشيرة كما تعرفون لا وجود لها بدون الجغرافيا. نعتز بعماننا كاعتزازنا بانفسنا الا انه تمت ممارسة طرقا من التهميش على سكان عمان حتى عندما تسأل من اين اصلك فتقول من عمان ويرجع السؤال مرة اخرى من اين بلدك وكان الجميع يعتقدون ان عمان لم يكن بها او يقطنها احدا قبل تاريخ معين ؟؟؟؟؟
    كل الاحترام لكم.
    ابن عمان
    مخلد الدعجه
  • »حبيبتي الاردن (ياسر)

    السبت 23 كانون الأول / ديسمبر 2006.
    حبيب قلبي ابو هلالة.
  • »حبيبتي عمان (عمان)

    السبت 23 كانون الأول / ديسمبر 2006.
    كانك يااخي ياسر اخذت الكلام من لساني
    عمان الخير عمان السلام عمان الامان عمان الغريب يكون فيها صاحب البيت وصاحب البيت يكون فيها القريب للقلب
    انا طالب وعلى وجهة تخرج والذي يدمي قلبي كيف سأترك هذا البلد والذي اعطاني اغلى شي هو العلم
    بلد يعطي الكثير ولا ينتظر المقابل
    اتمنى للاردن السلام
    فهي البلد الذي في قلبي وسأحمل هواها الى اخر العمر
    عرفت الجار فيها وعرفت المعلم فيها وعرفت الصاحب فيها وعرفت القائد فيها
    هذه البلد تستحق الوقوف اجلالا للاعمال التي تقوم بها