منار الرشواني

كارتر والعنصرية الإسرائيلية

تم نشره في الاثنين 18 كانون الأول / ديسمبر 2006. 03:00 صباحاً

بعد قرابة عشرة أشهر فقط من ظهور دراسة "اللوبي الإسرائيلي" المدوّية، لجون ميرشماير وستيفن والت، يخرج الرئيس الأميركي الأسبق، جيمي كارتر، بكتاب يثير استنفار إسرائيل وحلفائها بدءاً من عنوانه: "فلسطين: سلام لا أبرتهايد" (Palestine: Peace Not Apartheid)، والذي يكشف عن كثير من مضمونه، بما يستدعي وصف كارتر، بـ"معاداة السامية"، و"الكذب"، و"تشويه الحقائق". ومع ذلك، يعود كارتر في مقالة له في صحيفة "لوس أنجليس تايمز" للقول إن الممارسات الإسرائيلية بحق الفلسطينيين في الأراضي المحتلة (منذ العام 1967) "أكثر قمعية مما عايشه السود في جنوب إفريقيا إبّان فترة نظام الفصل العنصري".

وللوهلة الأولى، قد تبدو أهمية كتاب كارتر في أنه حجر آخر يرمى، خلال فترة قريبة، في مياه راكدة لم يجرؤ أحد من قبل على تحريكها. وإذا كان قد سبقه إلى ذلك أكاديميان، أي ميرشماير ووالت، فإن كارتر يجمع بين صفتي السياسي، كرئيس سابق للولايات المتحدة، كما الناشط في مجال الديمقراطية وحقوق الإنسان، والتي استحق عليها جائزة نوبل للسلام في العام 2002.

لكن بالرغم من قوة تأثير وحضور ما سبق، إلا أن أهمية كتاب كارتر، وموقفه الثابت رغم الهجمة التي تعرض لها ومايزال بسبب الكتاب، تبدو أكثر ما تبدو في الانتماء الديني للرئيس كارتر.

فالرئيس "الديمقراطي" الأسبق يشترك مع الرئيس "الجمهوري" الحالي، جورج دبليو بوش، في أن كليهما من طائفة البروتستانت الإيفانجليكانيين (Evangelical Protestant) "المولودين من جديد" (Born Again)، بل إن كارتر هو أول رئيس أميركي من "المولودين من جديد"، أو على الأقل أول من يصرح بذلك. والملفت أن هذه الطائفة تعتبر دعم إسرائيل من متممات الدين المسيحي الصحيح، أو بتعبير أحد كبار داعمي إسرائيل الأميركيين فإن "دعم إسرائيل هو سياسة الله الخارجية"!

وهكذا، وفيما يذهب باحثون بارزون إلى أن الدين قد يكون العامل الأهم في تفسير الدعم الأميركي الحالي لإسرائيل، يخرج من ينتمي إلى ذات اليمين المتدين لا ليتهم حكام إسرائيل بالعنصرية فحسب، بل وليعيب أيضاً على كبريات الصحف والمجلات الأميركية، كما على أعضاء الكونغرس الأميركي، عدم تبنيهم موقفا متوازناً "بمطالبة إسرائيل التزام القانون الدولي"، أو "الحديث عن العدالة و(احترام) حقوق الإنسان" الفلسطيني.

ربما أن ذلك لا يغير من حقيقة يكاد يجمع عليها الباحثون في عدم وجوب النظر إلى الإيفانجليكانيين أو "المولودين من جديد" كجماعة واحدة موحدة الرؤية، لا سيما فيما يتعلق بالقضايا العالمية والسياسة الخارجية، لكن يظل مهما التساؤل عن السبب الذي جعل كارتر يعلن صراحة خروجه على أصحاب الصوت الأعلى والأشد تأثيراً في أميركا اليوم؟

استناداً إلى موضوع الكتاب، منطقي الافتراض مباشرة أن المعاناة الإنسانية للشعب الفلسطيني التي عايشها كارتر شخصياً هي سبب جرأته، وهذا صحيح فعلاً، لكن مع ذلك ثمة سبب آخر جدير بالملاحظة في مقال كارتر في صحيفة "لوس أنجليس تايمز"، وهو الديمقراطية الفلسطينية!

فعدا عن أن الديمقراطية الفلسطينية كانت مدخل كارتر إلى المعاناة الفلسطينية، يشاهدها بأم عينيه، ويقارن ما ينقل منها في الإعلام الأميركي، فالأهم أن "اكتشافه" شعباً راغباً وقادراً على ممارسة ديمقراطية "لا تشوبها شائبة"، بتعبير كارتر ذاته، إنما يمس أسس النبوءة التي يستغلها الصهاينة، إسرائيليون وأميركيون، لتبرير دعم مطلق لإسرائيل رغم كل خطاياها، عبر التأكيد على أن الإسرائيليين هم شعب الله المختار الذي حباه لقاء ذلك بالازدهار والديمقراطية بعد معاناة المحرقة، في مواجهة شعوب عربية مغضوب عليها، مبتلاة بسبب ذلك بالفقر والتخلف والديكتاتورية!

بعد ذلك، أليس منطقيا بل وحتميا القول إن الديمقراطية هي إحدى أهم أدوات مواجهة إسرائيل وحلفائها الأميركيين المتصهينين، وليس العكس، على نحو ما يفعل داعمو الديكتاتوريات نكاية بأميركا، فيخربون بيوتنا بأيديهم، في أبشع استغلال وإساءة للقومية العربية والدين الإسلامي؟!

manar.rashwani@alghad.jo

التعليق